من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
مراثي متمم بن النويرة في أخيه مالك
قال أبو العباس: ومن أشعار العرب المشهورة المتخيرة في المراثي قصيدة متمم بن نويرة في أخيه مالك، وسنذكر منها أبياتاً نختارها، من ذلك قوله:
أقول وقد طتار السنا في ربابهوغيث يسح الماء حتى تريعا
سقى الله أرضاً حلها قبر مالكذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
وأثر سيل الواديين بديمةترشح وسمياً من النبت خروعا
تحيته مني وإن كان نائياًوأضحى تراباً فوقه الأرض ومصرعا
يذكرن ذا البث الحزين ببثهإذا حنت الأولى سجعن لها معا
بأوجع مني يوم فارقت مالكاًونادى به الناعي الرفيع فأسمعا
وفيها:
وكنا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاًلطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وعشنا بخير في الحياة وقبلناأصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فإن تكن الأيام فرقن بيننافقد بان محموداً أخي يوم ودعا
قتول ابنة العمري مالك بعدماأراك حديثاً ناعم البال أفرعا
فقلت لها طول الأسى إذ سألتنيولوعة حزن تترك الوجه أسفعا
وفقد بني أم تفانوا فلم أكنخلافهم أن أستكين وأضرعا
ولست إذا ما الدهر أحدث نكبةورزاء بزوار القرائب أخضعا
ولا فرح إن كنت يوماً بغبطةولا جزع إن ناب دهر فأوجعا
ولكنني أمضي على ذاك مقدماًإذا بعض من لاقى الخطوب تكعكعا
فعمرك ألا تسمعيني ملامةولا تنكثي قرح الفؤاد فييجعا
وقصرك إني قد شهدت فلم أجدبكفي عنه للمنية مدفعا
فلو أن ما ألقى أصاب متالعاًأو الركن من سلمى إذاً لتضعضا
وفي هذه القصيدة:
لقد كفن المنهال تحت ردائهفتى غير مبطان العشيات أروعا
ولا برم تهدي النساء لعرسهإذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
لبيباً أعان اللب منه سماحةخصيباً إذا ما زائد الجدب أوضعا
تراه كنصل السيف يهتز للندىإذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا
إذا ابتدر القوم القداح وأوقدتلهم نار أيسار كفي من تضجعا
بمثنى الأيادي ثم لم تلف مالكاًعلى الفرث يحمي اللحم أن يتمزعا
قوله: وقد طار السنا في ربابه، السنا: الضوء، وهو مقصور، قال جل وعز: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ والسناء، من الحسب ممدود. والرباب: سحاب دون السحاب كالمتعلق بما فوق. قال المازني:
كأن الرباب دوين السحابنعام تعلق بالأرجل
وقوله: يسح معناه يصب، فإذا قلت: يسحو، أو يسحى، فمعناه يقشر، ومن ذا سميت سحاءة القرطاس وسحابته، ومنه قيل للحديدة التي يقشر بها وجه الأرض مسحاة، قال عنترة:
سحاً وساحية فكل قرارةيجري عليها الماء لم يتصرم
وقوله: تريع أي كثر حتى جاء وذهب، يقال: راع يريع إذا رجع، ومنه سمي ريع الطعام؛ لأنه يرجع بفضل. قال مزرد:
خلطت بصاعي عجوة صاع حنطةإلى صاع سمن فوقه يتريع
والذهاب: الأمطار اللينة. والمدجنات من السحاب: السود، وهو مأخوذ من الدجن والدجنة. ومعناه إلباس الغيم وظلمته، قال طرفة:
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبببهكنة تحت الطراف الممدد
ويقال: أمرع الوادي، إذا أخصب، من ذلك قول مولاة بن الأجيد عن أوفى بن دلهم. قال أبو العباس: حدثني به ابن المهدي أحمد بن محمد النجوي، يحدث به عن الأصمعي عن أبيه، عن مولاة بن الأجيد عن أوفى، قال: في النساء أربع، فمنهن الصدع، تفرق ولا تجمع، ومنهن من لها شيئها أجمع، ومنهن عيث وقع في بلد فأمرع، ومنهن التبع، ترى ولا تسمع. قال: فذكرت ذلك لرجل فقال: ومنهن القرثع، قلت: وما هي? قال: التي تكحل عيناً وتدع الأخرى، وتلبس ثوبها مقلوباً.
[قال الأخفش: حدثني بذلك أبو العيناء عن الأصمعي، وذكر نحو ذلك]
وقوله:
وأثر سيل الواديين بديمة
زعم الأمعي وغيره من أهل العمل أن الديمة المطر الدائم أياماً برفق.
وقوله: ترشح وسمياً أي تهيئه لذلك، يقال: فلان يرشح للخلافة، والوسمي: أول مطر يسم الأرض، والولي: كل مطرة بعد مطرة، فالثانية ولي للأخرى؛ لأنها تليها.
والخروع: كل عود ضعيف.
وقوله:
فما وجد أظآر ثلاث روائم
أظآر: جمع ظئر، وهي النوق تعطف على الحوار فتألفه. وروائم، واحدتها رؤوم، ومعنى ترأمه: تشمه.
والحوار: ولد الناقة، ويقال له حيث يسقط من أمه سليل، قبل أن تقع عليه الأسماء، فإن كان ذكراً فهو سقب، وإن كانت أنثى فهي حائل، وهو في ذلك كله حوار سنة.
وقوله: ندماني جذيمة يعني جذيمة الأبرش الأزدي، وكان ملكاً، وهو الذي قتلته الزباء، وهو أول من أوقد بالشمع ونصب المجانيق للحرب، وله قصص تطول، وقد شرحنا ذلك في كتاب الاختيار. ونديماه يقال لهما مالك وعقيل، ففي ذلك يقول أبو خراش الهذلي:
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلناخليلا صفاء مالك وعقيل
والمثل يضرب بهما لطول ما نادماه، كما يضرب باجتماع الفرقدين، قال عمرو بن معدي كرب:
وكل أخ مفتارقه أخوهلعمر أبيك إلا الفرقدان
قال هذا من قبل أن يسلم. وقال إسماعيل بن القاسم:
ولم أر ما يدوم له اجتماعسيفترق اجتماع الفرقدين
وقوله:
أراك حديثاً ناعم البال أفرعا
الأفرع: التام شعر الرأس وقيل لعمر بن الخطاب ﵁: الفرعان خير أم الصلعان? فقال: بل الفرعان، وكان أبو بكر أفرع، وكان عمر أصلع، فوقع في نفسه أنه يسأل عنه وعن أبي بكر. والأسفع: الأسود، يقال: سفعته النار، أي غيرت وجهه إلى السواد.
وقوله: فعمرك يقسم عليها، ويقال: عمرك الله أي أذكرك الله؛ قال:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لناهل كنت جارتنا أيام ذي سلم!
وقوله: غير مبطان العشيات، يقول: كان لا يأكل في آخر نهاره انتظاراً للضيف. ويروى أن عمر بن الخطاب سأله فقال: أكذبت في شيء مما قلته في أخيك? فقال: نعم، في قولي: غير مبطان، وكان ذا بطن، ويقال في غير هذا الحديث: إن من سيما الرئيس السيد أن يكون عظيم البطن ضخم الرأس، فيه طرش.
وقال رجل لفتى: والله ما أنت بعظيم الرأس فتكون سيداً، ولا بأرسح فتكون فارساً.
وقال رجل لرجل: والله ما فتقت فتق السادة، ولا مطلت مطل الفرسان. والأروع: ذو الروعة والهيئة.
والبرم: الذي لا ينزل مع الناس ولا يأخذ في الميسر؛ ولا ينزع إلا نكداً، قال النابغة:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبيإذا الدخان تغشى الأسمط البرما
وقوله: إذا القشع وهو الجلد اليابس، ويقال لكناسة الحمام القشع، قال أبو هريرة: وكذبت حتى رميت بالقشع.
وحدثني العباس بن الفرج الرياشي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري القاضي، في إسناد ذكره، قال: صلى متمم مع أبي بكر الصديق الفجر في عقب قتل أخيه؛ وكان أخوه خرج مع خالد مرجعه من اليمامة، يظهر الإسلام، فظن به خالد غير ذلك، فأمر ضرار بن الأزور الأسدي فقتله، وكتان مالك من أرداف الملوك، ومن متقدمي فرسان بني يربوع، قال: فلما صلى أبو بكر قام متمم بحذائه، واتكأ على سية قوسه، ثم قال:
نعم القتيل إذا الريح تناوحتخلف البيوت، قتلت يا بن الأزور
ولنعم حشو الدرع كنت وخاسراًولنعم مأوى الطارق المتنور
أدعوته بالله ثم غررتهلو هو دعاك بذمة لم يغدر
وأومأ إلى أبي بكر، فقال: والله ما دعوته ولا غررته، ثم أتم شعره، فقال:
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابهحلو شمائله عفيف المئزر
ثم بكى وانحط على سية قوسه - وكان أعور دميماً - فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: لوددت أني رثيت أخي زيداً بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك! فقال يا أبا حفص! والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد بمثل تعزيتك. وكان
زيد بن الخطاب قتل شهيداً يوم اليمامة، وكان عمر بثول: إني لأهش للصبا؛ لأنها تأتينا من ناحية زيد. ويروى عن عمر أنه قال: لو كنت أقول الشعر كما تقول؛ لرثيت أخي كما رثيت أخاك. ويروى أن متمماً رثى زيداً فلم يجد، فقال له عمر: لم ترث زيداً كما رثيت أخاك مالكاً! فقال: لأنه والله يحركني لمالك ما لا يحركني لزيد.
ومن طريف شعره:
لعمري وما دهري بتأبين هالكولا جزع والموت يذهب بالفتى
لئن مالك خلى علي مكانهلفي إسوة إن كنت باغية الأسا
كهول ومرد من بني عم مالكوأيفاع صدق قد تمليتهم رضا
سقوا بالعقار الصرف حتى تتابعواكدأب ثمود إذ رغا سقيهم ضحى
إذا القوم قالوا: من فتى لملمةفما كلهم يدعى، ولكنه الفتى
ومثل هذا الشعر قول النهشلي:
لو كان في الألف منا واحد فدعوامن فارس? خالهم إياه يعنونا
وأول هذا المعنى لطرفة:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أننيعنيت فلم أكسل ولم أتبلد
وقال متمم أيضاً في كلمة له يرثي بها مالكاً:
جميل المحيا ضاحك عند ضيفهأغر جميع الرأي مشترك الرجل
وقوراً إذا القوم الكرام تقاولوافحلت حباهم واستطيروا من الجهل
وكنت إلى نفسي أشد حلاوةمن الماء بالماذي من عسل النحل
وكل فتى في الناس بعد ابن أمهكساقطة إحدى يديه من الخبل
وبعض الرجال نخلة لا جنى لهاولا ظل إلا أن تعد من النخل
وقال له عمر بن الخطاب: إنك لجزل؛ فأين كان أخوك منك? فقال: كان والله في الليلة المظلمة ذات الأزير والصراد، يركب الجمل الثفال، ويجنب الفرس الجرور، وفي يده الرمح الثقيل، وعليه الشملة الفلوت، وهو بين المزادتين حتى يصبح، فيصبح أهله متبسماً.
الجمل الثفال: البطيء الذي لا يكاد ينبعث.
والفرس الجرور: الذي لا يكاد ينقاد مع من يجنبه، إنما يجر الحبل، والشملة الفلوت: التي لا تكاد تثبت على لابسها.
وذكر لنا أن مالكاً كان من أرداف الملوك، وفي تصداق ذلك يقول جرير يفخر ببني يربوع:
منهم عتيبة والمحل وقعنبوالحنتفان ومنهم الردفان
فأحد الردفين مالك بن نويرة اليربوعي، والردف الآخر من بني رياح بن يربوع. وللردافة موضعان: أحدهما أن يردفه الملك على دابته في صيد أو تريف أو ما أشبه ذلك من مواضع الأنس، والوجه الآخر أنبل، وهو أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم فينظر بين الناس بعده.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع