من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)
من اسْمه عبد الله (٩)
الصفحة ٢ من ٢
الْعِمَامَة الزَّرْقَاء ثمَّ لم يزل يثير العجاج وينشر عَنهُ العلاج بل هُوَ قَائِم فِي مسئلة ابْن الفارض ونظم فِيهَا قبائح ثمَّ تعدى إِلَى تأييد ابْن عَرَبِيّ وَصَارَ يطوف بِكَلَامِهِ على الْمجَالِس وَفِي الْأَسْوَاق وَيُصَرح باعتقاده واعتقاد كَلَامه بل قيل أَنه صنف فِي إِيمَان فِرْعَوْن وَكَذَا رد على البقاعي فِي مسئلة لَيْسَ فِي الْإِمْكَان وَسيرَته مَشْهُورَة فَلَا فَائِدَة فِي الإطالة بهَا هَذَا مَعَ استفاضة الثَّنَاء على أَبِيه وَكَونه فِي الدّيانَة والورع الْفَائِق الْوَجِيه حَتَّى أَنه بَلغنِي أَنه كَانَ إِذا اشْترى شَيْئا من القماش الَّذِي جرت الْعَادة فِيهِ بذرع معِين وَزَاد عَلَيْهِ دفع ثمن الزَّائِد وَلذَا لما جلس ابْنه بحانوته فِي البربسوق الفسقية وَلم يقتف أَثَره بل زَاد فِي الْفسق وَالْفساد كَاد الْعَامَّة قَتله وَحِينَئِذٍ تحول لحانوت بالكتبيين وَصَارَت لَهُ خبْرَة بِكَثِير من الْكتب وَالله يهلكه ويقصمه أَو يَتُوب عَلَيْهِ ولرشده يلهمه وَقد كتبت عَنهُ قَدِيما مَا كتب بِهِ لشَيْخِنَا وَهُوَ:
يَا من قطفتم من الْآدَاب أزهاراوَمن عُلُوم النهى وَالنَّقْل أثمارا
)
الأبيات الَّتِي أودعتها مَعَ جَوَاب شَيخنَا الْجَوَاهِر والدرر وَكَذَا قَوْله فِي بعض حجاته سنة سِتّ وَسبعين:
وعاص لأمر الله تَابَ من الذَّنبوأقلع إقلاع الْمُنِيب إِلَى الرب
وَأحرم من مِيقَاته وَقت سيرهإِلَى مَكَّة إِحْرَام مُعْتَمر صب
ولبى بِأَلْفَاظ النَّبِي مُحَمَّدوَصلى عَلَيْهِ بِاللِّسَانِ وبالقلب
وَطَاف بِبَيْت الله أعظم بنيةوَصلى لَهُ خلف الْمقَام مَعَ الركب
وَبعد سعى سبعا كَمَا طَاف سَبْعَةعلى قدم مكشوفة الْمشْط والكعب
وَأحرم بعد الْحلق لَكِن بِحجَّةتلت عمْرَة فِي أشهر الفض وَالنَّدْب
وزار مَعَ الْحجَّاج قبر مُحَمَّدعَلَيْهِ صَلَاة الله فِي الشرق والغرب
وَمن ماجرياته أَن ابْن قَاسم قَالَ فِي حل الْحَاوِي كَمَا قرأته بِخَطِّهِ مؤرخا لَهُ فِي ثامن عشري الْمحرم سنة ثَمَان وَخمسين:
لَئِن ظلت الطلاب فِي الحكم وَالْفَتْوَىفللحل وَالْحَاوِي هما الْغَايَة القصوى
لقد كَانَ قبل الْحل يخفي بَيَانهإِلَى أَن أَتَى سبط براهينه تقوى
بِحل شراب طَابَ عرفا يخالهوَكَانَ مداد الْكل من وَالِد روى
وَقَالَ أَيْضا:
سلافة حاوينا زلال مبردوَحل شراب عرفه لَك يشْهد
كسبط لَهُ خَال من الْفضل عَمهفَوَائِد من جد فَنعم المآخذ
فبادر لَهُم تسمو فمسعاهم حمدوتقليدهم حق وفتواهم قصد
فَكتب التَّاج تَحت خطه مِمَّا سمعته من لَفظه مؤرخا لَهُ بتاسع عشري الشَّهْر الْمَذْكُور:
شَهِدنَا على من حط فِي الْخط عقلهوفاخرنا بالزيف والنقد يشْهد
فإكفاء مَا فِيهَا سناد كِفَايَةوكاملة كالضرب قبح مُؤَكد
غلبت خليلي حجَّة بِكَلَامِهِوَلَو أَنه فِيمَا ادَّعَاهُ الْمبرد
وَكَانَ التَّاج كتب قبل ذَلِك على الْحل بِمَا نَصه:
خَطَبنَا من بَنَات الْفِكر بكراوجهزنا لأرض الْفرس مهْرا
فزفوا الْحل للحاوي عروساتجلت فِي سَمَاء الْفِقْه بَدْرًا
)
أحب لطرسه الوجنات تحكيشقائق روضنا طيا ونشرا
سقى الله الَّذِي أَعْطَاك حلاشربت بكاسه الممزوج قطرا
وَأنْبت من مَعَانِيه بَيَانابديعا يعجب البلغاء سحرًا
وينظم فِي بحور الْحور عقدافينثر فِيهِ ياقوتا ودرا
مَلَأت بحبها قلبِي وطرفيفَلم أسمع من الْعَذْرَاء عذرا
بل قَالَ أَيْضا مِمَّا كتبه عَنهُ شَيْخه النواحي حَسْبَمَا قرأته بِخَطِّهِ فَقَالَ أَنْشدني من لَفظه لنَفسِهِ مخدومنا الشَّيْخ أَبُو الْفضل بن شرف أعذب الله تَعَالَى موارد آدابه:
هما الْحل وَالْحَاوِي فقلدهما الْفَتْوَىتكن من ذرى العلياء فِي الْغَايَة القصوى
فَفِي كل مغنى مِنْهُ معنى بَيَانهعلى كل كشاف عَن السِّرّ والنجوى
ثمَّ كتب النواجي أَيْضا ثمَّ أَنْشدني حرس الله تَعَالَى بديهته وسجم قريحته هَذَا الْبَيْت المتضمن البديع هَذَا التَّشْبِيه اللَّطِيف ليدل بِهِ على بَيَان مَقَاصِد الْحَاوِي للتوقيف:
كسبط حباه الْخَال سمطا لجدهفرائد فقه كالذراري فِي المأوى
قَالَ: وَكتب مُحَمَّد النواجي ولعفو ذِي الْجلَال راجي فِي خَامِس عشري الْمحرم سنة ثَمَان وَخمسين وَكتب الشهَاب بن صَالح مقرضا للتاج:
نعم مدح تَاج الدّين حلا وحاوياتبوأ منهاجا تَبرأ من هاجي
وزان مقَال السبط بالسمط فانثنىبقول الثنا قد حلي الْحل بالتاج
فَكتب التَّاج تحتهما:
فِي كل درس من الْكَافِي مطالعةعلى طَريقَة عرف الْفِقْه واللغة
فانه مفرغ فِي قالب حسنعَار على من الْعَار فِي الإيجاز والنكت
وَسمع من التَّاج الأبيات الْمشَار إِلَيْهَا الْقُضَاة الْأَرْبَعَة فَكتب الْعلم البُلْقِينِيّ الشَّافِعِي مَا نَصه: الْحَمد لله سَمِعت هَذِه الأبيات من لفظ ناظمها نفع الله بِهِ وَوصل أَسبَاب الْخَيْر بِسَبَبِهِ. والسعد بن الديري الْحَنَفِيّ بقوله: سَمِعت هَذِه الأبيات البليغة من ناظمها نفع الله بهَا وَبِمَا نظمت فِيهِ. والولوي السنباطي الْمَالِكِي بقوله: سَمِعت
هَذِه الأبيات البديعة من لفظ ناظمها نَفعه الله تَعَالَى بِالْعلمِ وزانه بالتقوى والحلم)
والعز الْكِنَانِي الْحَنْبَلِيّ بقوله: وَكَذَلِكَ أنشدنيها ناظمها بلغه الله من الْخَيْر الْغَايَة القصوى وَختم لنا وَله بِالْحُسْنَى وَكتب التَّاج بعد ذَلِك:
نعم أنشدت نقاد الْمعَانِيفَقَالَ بيانهم أبديع سحر
وَأنْشد من نفى مَا اثبتوهوَلَوْلَا الشّعْر بالعلماء يزري
عبد الْوَهَّاب تَاج الدّين بن الْجمال أبي المكارم مُحَمَّد بن النَّجْم مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن حُسَيْن بن عَليّ بن أَحْمد بن عَطِيَّة بن ظهيرة الْقرشِي الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ شَقِيق عبد الباسط وَإِخْوَته وَيعرف كسلفه بِابْن ظهيرة. ولد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة بِمَكَّة وَأَجَازَ لَهُ فِي جملَة إخْوَته جمَاعَة وَقرر فِي طلب تدريس الغياث الخلجي بِمَكَّة وحضره وزار النَّبِي ﷺ وَدخل الْقَاهِرَة وكنباية ومندوة من بِلَاد الْهِنْد وتوسط لَهُ عِنْد صاحبيهما فَحصل لَهُ من الجزراتي ثلثمِائة دِينَار وَمن الخلجي خَمْسمِائَة ووكله وَهُوَ بِالْهِنْدِ خَاله البرهاني فِي قبض مَا تجدّد من الْأَوْقَاف وَكتب لَهُ محْضر بذلك وبالثناء عَلَيْهِ وعَلى أَهله وَكتب النَّاس عَلَيْهِ وجهزه إِلَيْهِ وَهُوَ هُنَاكَ وَرجع فَعرض لَهُ وجع تعلل بِهِ مُدَّة ثمَّ برأَ مِنْهُ إِلَّا بقايا مَعَ نوع من المالخولية يَعْتَرِيه أَحْيَانًا إِلَى أَن مَاتَ فِي رَجَب سنة خمس وَثَمَانِينَ وَدفن بتربة خَاله من المعلاة وَكَانَ عِنْده حشمة مَعَ إقدام وبطش فِي النَّاس عَفا الله عَنهُ.
عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن دغرة بن زهرَة التَّاج أَبُو الْفضل بن الشَّمْس بن الشّرف الحبراضي الأَصْل الطرابلسي الشَّافِعِي الْآتِي أَبوهُ وَيعرف كسلفه بِابْن زهرَة بِضَم الزَّاي. ولد فِي أحد الربيعين سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة بطرابلس وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن عِنْد الشَّيْخ مُحَمَّد الأعزاري وَحفظ الْمِنْهَاج الفرعي والأصلي وَجمع الْجَوَامِع وألفية النَّحْو وَعرض على أَبِيه واشتغل فِي الْفِقْه وَأَصله وَغَيرهمَا وَقَرَأَ فِي الْعَرَبيَّة على الْعَلَاء المقسي وَفِي أصُول الدّين على الشَّمْس بن الشماع ولازمه وانتفع بِهِ وَصَحب الزين الخافي وَسمع أَبَاهُ والشهاب بن الحبال وَابْن نَاصِر الدّين وَحكى عَن وَالِده انحرافا عَنهُ كَغَيْرِهِ من شافعية الشَّام لأجل ابْن تَيْمِية وَحج وَدخل الشَّام صُحْبَة وَالِده فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَأقَام بِبَلَدِهِ متصديا للتدريس والإفتاء وَجمع كل من المنهاجين والتنبيه والزبد شرحا سَمَّاهَا بهجة الْوُصُول وَتَذْكِرَة الْمُحْتَاج وَتَذْكِرَة النبيه وكل مِنْهَا فِي خمس مجلدات وَالْمُعْتَمد بل عمل مُخْتَصرا سَمَّاهُ الْمُخْتَار فِي فقه الْأَبْرَار)
إِلَى غَيرهَا مِمَّا وقفت على حجمه، ولسرعة الِانْفِصَال عَنهُ لم أتدبر فِي علمه وَالْأَقْرَب أَنَّهَا إِن كَانَت مُعْتَمدَة فَهِيَ لوالده نعم هُوَ إِنْسَان حسن الصُّورَة كثير التَّوَاضُع لَهُ
فَضِيلَة فِي الْجُمْلَة وَالْجَمَاعَة من أهل بَلَده فِيهِ كَلَام وَقد لَقيته بِبَلَدِهِ وكتبت عَنهُ قَوْله:
عُيُون حَبِيبِي النرجسيات أتلفتفؤاد الْمَعْنى بالفتور وبالسحر
وأرمت سهامها صائبات نصولهالقلب الَّذِي قد مَاتَ بالصب والهجر
فِي أَشْيَاء سواهُ. مَاتَ فِي سنة خمس وَتِسْعين بِبَلَدِهِ وَقد شاخ.
عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن يحيى بن عبد الله التَّاج بن الْجمال ابْن الشّرف المغربي الأَصْل الْمدنِي الْمَالِكِي وَالِد النَّجْم مُحَمَّد الْآتِي. وَيعرف بِابْن يَعْقُوب. ولد بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَنَشَأ بهَا فَسمع على الْجمال الكازروني فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ والمحب المطري وَآخَرين وَدخل الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا وبالمدينة الْفِقْه والعربية عَن أبي الْقسم النويري وبالمدينة الْفِقْه فَقَط عَن أَحْمد الْجريرِي وَمُحَمّد بن نَافِع المسوفي وناب فِي قَضَاء الْمَدِينَة لَاعن قضاتها بل اسْتِقْلَالا بمراسيم أَولهَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين ثمَّ اسْتَقل بِهِ وَذَلِكَ فِي صفر سنة سِتِّينَ ووروده فِي الشَّهْر الَّذِي يَلِيهِ عقب الْبَدْر بن فَرِحُونَ فَمَكثَ قَلِيلا ثمَّ توعك إِلَى أَن مَاتَ فِي عشري شعْبَان مِنْهَا وَقد قَارب السِّتين.
عبد الْوَهَّاب بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن عمر بن الْكرْمَانِي الشَّافِعِي نزيل مَكَّة والمصاهر لإمامها الْمُحب وقتا وَيعرف فِيهَا بملأ عَلَاء الدّين الْكرْمَانِي. ولد تَقْرِيبًا سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بكرمان ثمَّ تحول مِنْهَا لهراة فَأخذ عَن علمائها كمحتسبها الْعَلامَة الْمُحَقق المُصَنّف حُسَيْن الخوافي الْحَنَفِيّ قَرَأَ عَلَيْهِ غَالب الْعَضُد وحاشية الْمطَالع وَسمع غَيرهمَا وعَلى وَعلي التوشجي وَمَعْنَاهُ حَافظ الطير الْمُسَمّى عندنَا بالبازدار الْحَنَفِيّ قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الرياضيات وَمن جملَته الْحساب وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَرحه على التَّجْرِيد لتصير الدّين الطوسي فِي علم الْكَلَام والزين على الْكرْمَانِي الشَّافِعِي قَرَأَ عَلَيْهِ الْعَرَبيَّة والمنطق وَغَيرهمَا بِحَيْثُ كَانَ جلّ انتفاعه بِهِ وتميز فِي الْفُنُون والرياضيات بل بَلغنِي أَنه إِذا طالع محلا من فنونه لَا يلْحق فِيهِ، وَدخل الشَّام ومصر والهند وَأَقْبل عَلَيْهِ خواجا جهان وزار بَيت الْمُقَدّس ثمَّ قطن مَكَّة قبيل الثَّمَانِينَ لم يبرز مِنْهَا إِلَّا للزيارة النَّبَوِيَّة مَعَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن قاوان وَلم يتَوَجَّه بهَا للإقراء غَالِبا مَعَ السُّؤَال لَهُ فِي ذَلِك، وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ السَّيِّد أصيل الدّين عبد الله والكرماني خَادِم ابْني قاوان وبالغا عِنْدِي فِي الثَّنَاء)
عَلَيْهِ وَرُبمَا يتفهم مِنْهُ بعض الْفُضَلَاء مَا يعسر عَلَيْهِ وَأكْثر من قصدي للسلام وَالْمُبَالغَة فِي التَّوَاضُع وَنعم الرجل تفردا وتوحدا وَلَكِنِّي سَمِعت من ينْسبهُ لِابْنِ عَرَبِيّ، ثمَّ أَنه سَافر فِي الْبَحْر إِلَى هرموز ثمَّ إِلَى هراة وَهُوَ فِي سنة سبع وَتِسْعين بهَا.
النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع