تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسع وتسعين

فيها على خلاف توفي أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤليّ.

قال ابن قتيبة: هو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان بن كنانة، وأمّه من بني عبد الدّار بن قصيّ، وكان عاقلا، حازما بخيلا، وهو أول من وضع العربيّة، وكان شاعرا مجيدا، وشهد صفّين مع عليّ بن أبي طالب ﵁، وولي البصرة لابن عبّاس، وفلج بالبصرة ومات بها، وقد أسنّ، فولد عطاء، وأبا حرب، وكان عطاء ويحيى [بن] يعمر العدواني بعجا العربية بعد أبي الأسود، ولا عقب لعطاء، وأمّا [أبو] حرب بن أبي الأسود فكان عاقلا شاعرا، وولّاه الحجّاج جوخى فلم يزل عليها حتى مات الحجّاج.

وقد روي الحديث عن أبي حرب [وله عقب بالبصرة، وعدد] وهو القائل لولده: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد منكم، ولو شاء أن يوسّع على النّاس كلّهم، حتى لا يكون محتاج، لفعل، [ولا تجهدوا أنفسكم في التوسعة فتهلكوا هزالا].

وسمع رجلا يقول: من يعشّي الجائع؟ فعشّاه، ثم ذهب السائل ليخرج، فقال: هيهات! على أن لا تؤذي المسلمين الليلة، ووضع رجله في الأدهم انتهى.

وقال ابن الأهدل: هو ظالم بن عمرو الدّيلي، ويقال: الدؤلي نسبة إلى الدّيل من كنانة، وفتح بعضهم في النسبة لئلا تتوالى الكسرات، كما قالوا في النسبة إلى النّمر: نمري، وهي قاعدة مطوقة، وكان من خواصّ عليّ، وشهد معه صفّين، وكان من كمل الرّجال، وهو أول من وضع النحو، حكى ولده أبو حرب قال: أول ما وضع والدي باب التعجّب، وقيل له: من أين لك النحو، قال: تلقّنت حدوده من عليّ ﵁. انتهى.

وباع له دارا بالبصرة، فقيل له: بعت دارك، فقال: بل بعت جاري، وكان جار سوء.

ودخل على بعض الولاة وعليه جبّة رثّة، فقال: يا أبا الأسود أما تملّ هذه الجبّة؟. فقال: رب مملوك لا يستطاع فراقه، فأمر له بمائة ثوب فقال:

كساني ولم أستكسه فحمدتهأخ لك يعطيك الجزيل وناصر
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «كساني ولم استكسه فحمدته»
وإنّ أحقّ النّاس إن كنت شاكرابشكرك من يعطيك والعرض وافر

ومن شعره أيضا:

وما طلب المعيشة بالتّمنّيولكن ألق دلوك في الدّلاء
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «وما طلب المعيشة بالتمني»
تجيء بمثلها طورا وطوراتجيء بحمأة وقليل ماء

وكان موسرا مبخّلا، وعوتب في البخل فقال: لو أطعنا الفقراء في مالنا أصبحنا مثلهم.

وروي أنه عشّى سائلا لجوجا وقيده، فقيل له في ذلك، فقال: لئلا يؤذي المسلمين الليلة.

وقيل له: عند الموت: أبشر بالمغفرة، فقال: وأين الحياء مما كانت منه المغفرة، وتوفي عن خمس وثمانين سنة.

وفيها توفي محمود بن الرّبيع الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، الذي عقل مجّة مجهّا رسول الله ﷺ في وجهه من بئر في دارهم وله أربع سنين.

وفيها نافع بن جبير بن مطعم النّوفليّ المدنيّ، وكان هو وأخوه محمد من علماء قريش وأشرافهم، توفي قريبا من أخيه محمّد بن جبير.

وفيها توفي عبد الله بن محيريز الجمحيّ المكيّ نزيل بيت المقدس، وكان عابد الشام في زمانه.

قال رجاء بن حيوة: إن تفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنّا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز، وإن كنت لأعدّ بقاءه أمانا لأهل الأرض.

وفي عاشر صفر مات الخليفة أبو أيّوب سليمان بن عبد الملك الأمويّ

وله خمس وأربعون سنة، وكانت خلافته أقلّ من ثلاث سنين، وكان فصيحا فهما محبّا للعدل والغزو، ذا همّة عالية، جهّز الجيوش لحصار القسطنطينية، وقرّب ابن عمّه عمر بن عبد العزيز، وجعله وزيره ومشيره، وعهد إليه بالخلافة، وكان أبيض مليح الوجه، يضرب شعره منكبيه، وله محاسن.

قيل: قال له حكيم: عندي لك أن تأكل ولا تشبع، وتنكح ولا تفتر، ويسودّ شعرك ولا يبيضّ، فقال: كلّهنّ يرغب عنهن العاقل، فمع الأكل كثرة دخول المراحيض، وشمّ الروائح المنتنة، وفي كثرة النّكاح الشّغل بالنّساء، وتسويد الشعر تسويد نور الله تعالى. وقال في «مروج الذهب»: لما أفضى الأمر إلى سليمان صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله [ﷺ] ثم قال: الحمد لله الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، ومن شاء رفع، ومن شاء وضع، أيّها الناس الدّنيا دار غرور وباطل، وزينة وتقلّب بأهلها، تضحك باكيها، وتبكي ضاحكها، وتخيف آمنها، وتؤمّن خائفها، وتثري فقيرها، وتفقر مثريها، عباد الله: اتّخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه لكم هاديا دليلا، فإنه ناسخ ما قبله، ولا ينسخه ما بعده، واعلموا عباد الله أنه ينفي عنكم كيد الشيطان ومطامعه، كما يجلو ضوء الصّبح إذا أسفر إدبار الليل إذا عسعس، ثم نزل، وأذن للناس عليه، وأقرّ عمّال من كان قبله على أعمالهم، وأقرّ خالد بن عبد الله [القسريّ] على مكّة.

وكان سليمان صاحب أكل كثير يجوز المقدار، كان شبعه في كلّ يوم

من الطّعام مائة رطل عراقيّ وكان ربما أتاه الطّبّاخون بالسّفافيد التي فيها الدّجاج المشوية وعليه جبّة الوشي المثقلة فلنهمه وحرصه على الطّعام يدخل يده في كمّه حتى يقبض على الدجاجة وهي حارّة فيفصلها.

وحدّث المنقري عن العتبي عن إسحاق بن إبراهيم بن الصّبّاح بن مروان، وكان مولى لبني أميّة من أرض البلقاء من أعمال دمشق، وكان حافظا لأخبار بني أميّة قال: لبس سليمان يوما في جمعة من ولايته لباسا تشهّر به وتعطّر، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمّ بواحدة بعد أخرى، حتى رضي منها واحدة، فأرخى من سدولها، وأخذ بيده مخصرة وعلا منبره ناظرا في عطفيه، وجمع حشمه. و [خطب]

خطبته التي أرادها، التي يريد يخطب بها الناس، فأعجبته نفسه، فقال: أنا الملك الشابّ السّيّد الحجاب الكريم الوهّاب، فتمثّلت له جارية [من جواريه] وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين، قالت: أراه منى النفس، وقرّة العين، لولا ما قال الشاعر، قال: وما قال [الشاعر؟] قالت قال:

أنت نعم المتاع لو كنت تبقىغير أن لا بقاء للإنسان
للشاعر هارون بن علي المنجم، اقرأ القصيدة
ليس أنّا يريبنا منك شيءعلم الله غير أنّك فان

فدمعت عيناه، وخرج على النّاس باكيا، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية فقال لها: ما دعاك إلى ما قلت لأمير المؤمنين؟ فقالت: والله ما رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه، فأكبر ذلك ودعا بقيّمة جواريه فصدّقتها في قولها، فراع ذلك سليمان، ولم ينتفع بنفسه، ولم يمكث بعد ذلك إلّا مدّة حتى توفي.

وكان يقول: قد أكلنا الطّيّب، ولبسنا اللّيّن، وركبنا الفاره، ولم يبق لي لذّة إلّا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤونة التّحفّظ.

ووقف سليمان على قبر ولده أيّوب، وبه كان يكنى، فقال: اللهمّ إني أرجوك له، وأخافك عليه، فحقّق رجائي، وآمن خوفي.

وبالجملة فإنّه كان من أحسن بني أميّة حالا، ولو لم يكن له إلّا ما عمر في مسجد دمشق، وعهده بالخلافة لعمر بن عبد العزيز لكفى، فرحمه الله تعالى وتجاوز عنه.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.