من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة اثنتين ومائة
كان أمير البصرة يزيد بن المهلّب، المتقدم آنفا، فلما تولّى عمر بن عبد العزيز عزل يزيد بن المهلّب وسجنه، فلما توفي عمر أخرجه خواصّه من السّجن، فوثب على البصرة وهرب منه عاملها عديّ بن أرطاة الفزاريّ، ونصب يزيد رايات سود، وتسمى بالقحطانيّ، وقال: أدعو إلى سيرة عمر بن الخطّاب، فوجه إليه يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة، فحاربه، وقتله في صفر في المعركة، وقيل: بل حبسه الحجّاج وعذّبه، وهو الذي جزم به الإسنويّ في «طبقاته».
وكان يزيد بن المهلّب كريما ممدّحا، وكان المهالبة في دولة الأمويين
كالبرامكة في دولة العباسيين، في الكرم، وكان كثير الغزو والفتوح.
وفيها يزيد بن أبي مسلم الثقفيّ مولاهم، مولى الحجّاج، وكاتبه، وخليفته على العراق بعد موته، وأقره الوليد.
قال الوليد في حقه: مثلي ومثل الحجّاج ويزيد، كرجل ضاع له درهم فلقي دينارا.
فضّل يزيد لعقله وبلاغته.
واستحضره سليمان بعد موت الوليد فرآه دميما، كبير البطن، فقال:
لعن الله من أشركك في أمانته. فقال: يا أمير المؤمنين! رأيتني والأمور مدبرة عني، ولو رأيتني وهي مقبلة إليّ لعظّمتني، فقال: قاتله الله ما أسدّ قوله وأغضب لسانه، ثم قال له سليمان: أترى صاحبك- يعني الحجّاج- يهوي في النّار أم قد استقرّ في قعرها، فقال: عن يمين الوليد، ويسار عبد الملك، فاجعله حيث أحببت. وروي: يحشر بين أبيك وأخيك، فقال سليمان: قاتله الله ما أوفاه لصاحبه، إذا اصطنعت الرّجال فليصنع مثل هذا.
وهمّ سليمان باستكتابه، فقال له عمر بن عبد العزيز: لا تحيي ذكر الحجّاج. فقال: إني كشفت عنه فلم أجد له خيانة في دينار ولا في درهم.
فقال عمر: إبليس لم يخن فيهما، وهذا قد أهلك الخلق، فتركه سليمان.
وفيها توفي الضّحّاك بن مزاحم الهلاليّ بخراسان. وثقه الإمام أحمد وغيره.
ذكر أنه كان فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارا يدور عليهم إذا عيي.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع