من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى ومائة
في رجب منها توفي الخليفة العادل، أمير المؤمنين وخامس الخلفاء الرّاشدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان الأمويّ بدير سمعان من أرض المعرّة
وله أربعون سنة وخلافته سنتان وستة أشهر وأيام كخلافة الصّدّيق، وكان أبيض جميلا نحيف الجسم، حسن اللحية، بجبهته أثر حافر فرس شجّه وهو صغير، فلذا كان يقال: أشجّ بني أميّة، يذكر أن في «التوراة» أشجّ بني أميّة تقتله خشية الله، حفظ القرآن في صغره، وبعثه أبوه من مصر إلى المدينة فتفقه بها حتى بلغ رتبة الاجتهاد. جده لأمه عاصم بن عمر بن الخطّاب، وذلك أن عمر خرج طائفا ذات ليلة فسمع امرأة تقول لبنيّة لها:
اخلطي الماء في اللبن، فقالت البنية: أما سمعت منادي عمر بالأمس ينهى عنه؟ فقالت: إنّ عمر لا يدري عنك، فقالت البنية: والله ما كنت لأطيعه علانية وأعصيه سرّا، فأعجب عمر عقلها، فزوجها ابنه عاصما، فهي جدة عمر بن عبد العزيز.
قال السيد الجليل رجاء بن حيوة: استشارني سليمان بن عبد الملك فيمن يعهد إليه بالخلافة، فأشرت بعمر، فقال: فكيف ببني عبد الملك؟! فقلت: اكتب العهد واختمه وبايع لمن فيه، ففعل، فلما مات كتمنا موته، ثم قلت: بايعوا لأمير المؤمنين ثانيا على السمع والطاعة لمن في الكتاب، ففعلوا، فقلت: أعظم الله أجركم في أمير المؤمنين، ثم أخرجت الكتاب
فوجموا ولم يقولوا شيئا، ثم خرجوا في جنازته ركبانا، وخرج عمر يمشي، فلما رجعوا أرسل عمر إلى نسائه من أرادت منكن الدّنيا فلتلحق بأهلها، فإن عمر قد جاءه شغل شاغل، فسمعت النوائح في بيته يومئذ.
وقال أيضا: قوّمت ثياب عمر وهو يخطب باثني عشر درهما، وكانت حلته قبل ذلك بألف درهم لا يرضاها، وقال: إن لي نفسا ذوّاقة توّاقة، كلما ذاقت شيئا تاقت [إلى] ما فوقه، فلما ذاقت الخلافة- ولم يكن شيء في الدّنيا فوقها- تاقت إلى ما عند الله في الآخرة، وذلك لا ينال إلّا بترك الدّنيا.
ومن كلامه- ﵁: ينبغي في القاضي خمس خصال:
العلم بما يتعلق به، والحلم عند الخصومة، والزّهد عند الطمع، والاحتمال للأئمة، والمشاورة لذوي العلم.
وعاتب مسلمة بن عبد الملك أخته فاطمة زوجة عمر في ترك غسل ثيابه في مرضه فقالت: إنه لا ثوب له غيره.
وكان مع عدله وفضله حليما رقيق الطبع.
ومن ألطف ما حكي عنه ما ذكره في «مروج الذهب» قال: كان رجل من [أهل] العراق أتى المدينة في طلب جارية وصفت له قارئة قوّالة،
فسأل عنها، فوجدها عند قاضي البلد، فأتاه، ثم سأله أن يعرضها عليه، فقال:
يا عبد الله لقد أبعدت الشّقّة في طلب هذه الجارية، فما رغبتك فيها؟ لما رأى من شدة إعجابه [بها] قال: إنها تغنّي فتجيد، فقال القاضي:
ما علمت بهذا، فألح عليه في عرضها، فعرضت بحضرة مولاها القاضي، فقال لها الفتى: هات، فتغنّت:
إلى خالد حتّى أنخن بخالدفنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل
ففرح القاضي بجاريته وسرّ بها، وغشيه من الطرب أمر عظيم حتّى أقعدها على فخذه وقال: هات بأبي أنت وأمي شيئا، فتغنّت:
أروح إلى القصّاص كلّ عشيّةأرجّي ثواب الله في عدد الخطا
فزاد الطرب على القاضي، ولم يدر ما يصنع، فأخذ نعله فعلّقها في أذنه وجثا على ركبتيه، وجعل يأخذ بإحدى أذنيه والنعل معلّق فيها ويقول: أهدوني [إلى البيت الحرام] فإني بدنة، فلما أمسكت قال للفتى: يا حبيبي، انصرف، فقد كنا فيها راغبين قبل أن نعلم أنها تقول، ونحن الآن فيها أرغب، فانصرف الفتى، وبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال:
قاتله الله، لقد استرقّه الطّرب، وأمر بصرفه عن عمله، فلما صرف قال:
نساؤه طوالق، لو سمعها عمر لقال: اركبوني فإني مطية، فبلغ ذلك عمر، فأشخصه، وأشخص الجارية، فلما دخلا على عمر، قال له: أعد ما قلت، قال: نعم، فأعاده، ثم قال للجارية: قولي، فتغنّت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفاأنيس ولم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنّا أهلها فأبادناصروف اللّيالي والجدود العواثر
فما فرغت [من هذا الشعر] حتّى طرب عمر طربا بيّنا، وأقبل يستعيدها ثلاثا، وقد بلّت دموعه لحيته، ثم أقبل على القاضي فقال:
لقد قاربت في يمينك، ارجع إلى عملك راشدا. انتهى.
وبالجملة فمناقبه عديدة قد أفردت بالتصنيف.
ومما رثاه به جرير:
لو كنت أملك والأقدار غالبةتأتي رواحا وتبيانا وتبتكر
رددت عن عمر الخيرات مصرعهبدير سمعان لكن يغلب القدر
وفيها، أو في سنة مائة، توفي ربعيّ بن حراش أحد علماء الكوفة وعبّادها،
قيل: إنه لم يكذب قطّ، وشهد خطبة [عمر] بالجابية وحلف لا يضحك حتّى يعلم أفي الجنّة هو أم في النّار.
وفيها مقسم مولى ابن عبّاس، ولم يكن مولاه، بل مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، وأضيف إلى ابن عبّاس لملازمته إياه.
ومحمّد بن مروان بن الحكم، الأمير، ولد الخليفة مروان، وكان بطلا شجاعا شديد البأس، له عدة مصافّات مع الرّوم، وكان متولي الجزيرة وغيرها.
وفيها، وقيل: في سنة خمس وتسعين، الحسن بن محمّد بن الحنفيّة الهاشميّ العلويّ.
روي أنه صنف كتابا في الإرجاء ثم ندم عليه، وكان من عقلاء قومه وعلمائهم.
وفيها استعمل يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على إمرة العراقين، وأمره بمحاربة يزيد بن المهلّب- وكان قد خرج عليهم- فحاربه حتّى قتل في السنة الآتية.
قال الذهبيّ في «العبر»: وممن توفي بعد المائة:
إبراهيم بن عبد الله بن حنين المدنيّ، له عن أبي هريرة.
وإبراهيم بن عبد الله [بن معبد] بن عبّاس الهاشميّ المدنيّ. له عن ابن عبّاس، وميمونة.
وعبد الله بن شقيق العقيليّ البصريّ، سمع من عمر، والكبار.
والقطاميّ الشاعر المشهور.
ومعاذة العدويّة الفقيهة العابدة بالبصرة.
وعراك بن مالك المدنيّ.
ومورّق، العجليّ.
وبشير بن يسار، المدنيّ الفقيه.
وأبو السّوّار العدويّ البصريّ، صاحب عمران بن حصين.
وعبد الرّحمن بن كعب بن مالك الأنصاري.
وابن أخيه عبد الرّحمن بن عبد الله.
وحفصة بنت سيرين، الفقيهة العابدة.
وعائشة بنت طلحة التيميّة، التي أصدقها مصعب بن الزّبير مائة ألف دينار.
وعبد الرحمن بن أبي بكرة، أوّل من ولد بالبصرة.
ومعبد بن كعب بن مالك.
وذو الرّمّة الشاعر المشهور. انتهى.
قلت: وذو الرّمّة أحد فحول الشعراء، واسمه غيلان، وأحد العشّاق
المشهورين من العرب، وصاحبته ميّة ابنة مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري التميميّ، [وقيس بن عاصم هو] الذي قال فيه رسول الله- ﷺ حين وفد عليه: «هذا سيّد أهل الوبر» وهو أول من وأد البنات غيرة وأنفة.
وسبب فتنته بها، أنه لحظها وهي خارجة من خبائها، فخرّق إداوته ثم دنا يستطعم حديثها، فقال إني مسافر وقد تخرّقت إداوتي فأصلحيها لي، فقالت: والله إني لخرقاء - والخرقاء التي لا تحسن العمل لكرامتها على أهلها - فشبّب بالخرقاء أيضا، وهي ميّة.
ويروى أن ذا الرّمّة لم ير ميّة قطّ إلّا في برقع، فأحبّ أن ينظر إلى وجهها فقال:
جزى الله البراقع من ثيابعن الفتيان شرّا ما بقينا
بوارين الملاح فلا نراهاويخفين القباح فيزدهينا
فنزعت البرقع عن وجهها فقال:
على وجه ميّ مسحة من ملاحةوتحت الثّياب العرّ لو كان باديا
فنزعت ثيابها وقامت عريانة فقال:
ألم تر أنّ الماء يخبث طعمهوإن كان لون الماء أبيض صافيا
فيا ضيعة الشّعر الذي لجّ فانقضىبميّ ولم أملك ضلال فؤاديا
فقالت [له]: أتحب أن تذوق طعمه؟ فقال: إي والله، فقالت:
تذوّق الموت قبل أن تذوقه.
ومن شعره السائر [فيها] قوله:
إذا هبّت الأرواح من نحو جانببه أهل ميّ هاج شوقي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنّماهوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها
وكان ذو الرّمّة يشبّب بخرقاء أيضا، ومن قوله فيها:
تمام الحجّ أن تقف المطاياعلى خرقاء واضعة اللّثام
قيل: كانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة.
ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم، أنا ابن أربعين سنة، وأنشد:
يا قابض الرّوح من نفس إذا احتضرتوغافر الذّنب زحزحني عن النّار
وإنما قيل له: ذو الرّمّة بقوله في الوتد:
أشعث باقي رمّة التقليد
والرّمّة: بضم الراء: الحبل البالي، وبكسرها: الحبل البالي.
وممن توفي بعد المائة على ما قاله في «العبر».
أبو الأشعث الصنعانيّ الشّاميّ.
وزياد الأعجم الشاعر [المشهور].
وسعيد بن أبي هند، والد عبد الله.
وأبو سلّام ممطور الحبشيّ الأسود.
وأبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ القاضي. انتهى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع