من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع ومائة
فيها وقعة بهرزان دون الباب بفرسخين، التقى المسلمون وعليهم الجرّاح الحكميّ، هم وابن خاقان فهزموه بعد قتال عظيم، وقتل خلق من الكفار.
وفيها توفي خالد بن معدان الكلاعيّ الحمصيّ، الفقيه العابد.
قيل: كان يسبّح كل يوم أربعين ألف تسبيحة.
سمعه صفوان يقول: لقيت سبعين من الصّحابة.
وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت ألزم للعلم منه.
وقال الثّوريّ: ما أقدّم عليه أحدا.
وفيها، وقيل: قبل المائة، عامر بن سعد بن أبي وقّاص الزّهريّ، أحد الإخوة التسعة، كان ثقة كثير الحديث.
وفيها، وقيل: في سنة سبع أبو قلابة الجرميّ، عبد الله بن زيد، البصري الإمام.
طلب للقضاء فهرب ونزل الشّام، فنزل بداريّا، وكان رأسا في العلم والعمل.
سمع من سمرة وجماعة.
ومناظرته مع علماء عصره في القسامة بحضرة عمر بن عبد العزيز مشهورة في «الصحيح».
وفيها، وقيل: في التي قبلها، وقيل: في سنة ست أو سبع، توفي أبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعريّ.
قضى في الكوفة بعد شريح، وله مكارم ومآثر مشهورة.
وولي القضاء في البصرة بعده ابنه بلال، وكان ممدّحا.
وفيه يقول ذو الرّمّة:
رأيت النّاس ينتجعون غيثافقلت لصيدح انتجعي بلالا
يعني بصيدح ناقته.
وأبو موسى وبنوه كلهم ولي القضاء.
وفيها، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها، توفي فجأة الإمام الحبر العلّامة، أبو عمرو عامر بن شراحيل بن معبد الشّعبيّ، وهو من حمير، وعداده في همدان، ونسب إلى جبل باليمن، نزله حسّان بن عمرو الحميريّ هو وولده ودفن فيه، [وهو ذو شعبين] فمن كان منهم بالكوفة قيل لهم: شعبيون.
ومن كان منهم بمصر والمغرب قيل لهم: الأشعبون، والأشعوب، ومن كان منهم بالشّام قيل لهم: شعبانيّون. ومن كان منهم باليمن قيل لهم: آل ذي شعبين. وكان نحيفا ضئيلا. وقيل له: مالنا نراك ضئيلا؟ قال: إني
زوحمت في الرّحم، وكان ولد هو وأخ له في بطن واحد.
وقيل لأبي إسحاق: أنت أكبر أم الشّعبي؟ فقال: هو أكبر مني بسنتين.
وحدثنا الرّياشي عن الأصمعي: أن أمّ الشّعبي كانت من سبي جلولاء، قال: وهي قرية بناحية فارس.
وكان مولده لست سنين مضت من خلافة عثمان، وكان كاتب عبد الله بن مطيع العدوي، وكاتب عبد الله بن يزيد الخطمي عامل ابن الزّبير على الكوفة، وكان مزّاحا.
حدّثني أبو مرزوق، عن زاجر بن الصّلت الطّاحيّ عن سعيد بن عثمان، قال: قال الشعبي لخياط مرّ به: عندنا حب مكسور تخيطه؟ فقال له:
نعم، إن كان عندك خيط من ريح.
وحدثني بهذا الإسناد، أن رجلا دخل عليه ومعه في البيت امرأة، فقال: أيكما الشّعبيّ، فقال: هذه. قاله ابن قتيبة.
ومات وله بضع وثمانون سنة.
وشعب، بطن من همدان.
مرّ به ابن عمر وهو يحدّث بالمغازي، فقال: شهدتها، وهو أعلم بها مني.
وعنه قال: بعثني عبد الملك إلى ملك الرّوم، فأقمت عنده أياما، فلما أردت الانصراف قال لي: من [أهل] بيت الملك أنت؟ قلت: بل رجل من العرب، فدفع إليّ رقعة وقال: أدّها إلى صاحبك، فلما قرأها عبد الملك قال لي: تدري ما فيها؟ قلت، لا، قال:
فإن فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملّكوا غيره؟ فقلت: والله لو علمت ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك، فقال عبد الملك: بل حسدني عليك، فأغراني بقتلك، فبلغ ذلك ملك الرّوم، فقال: ما أردت إلّا ذلك.
وقال له أبو بكر الهذلي: تحب الشعر؟ فقال: إنما يحبه فحول الرّجال ويكرهه مؤنّثوهم.
وقال: ما أودعت قلبي شيئا فخانني قطّ.
وقال: إنما الفقيه من تورّع عن محارم الله، والعالم من خاف الله تعالى.
وقال: اتقوا القاصر من العلماء والجاهل من المتعبّدين.
وقال: أدركت خمسمائة من الصّحابة أو أكثر.
ودخل الشّعبيّ مع زياد على هند بنت النّعمان في ديرها، فإذا هي وأختها جالستان عليهما ثياب سود، قال الشّعبيّ: فما أنسى جمالها، وقد كان
كلّمها للمغيرة بن شعبة في الزّواج، فقالت: أردت أن يقال: تزوج هند بنت النّعمان بن المنذر، إن ذلك غير كائن، فقال لها زياد: حدثيني عن ملككم وما كنتم فيه؟ قالت: أجمل، أم أفنّن؟. قال: أجملي، قالت: أصبحنا وكل من رأيت عبدا لنا، وأمسينا وعدونا ممن يرحمنا.
قال ابن المديني: ابن عبّاس في زمانه، والشّعبيّ في زمانه، وسفيان الثّوري في زمانه.
وقال الشعبيّ: ما كتبت سوداء في بيضاء إلّا حفظتها.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع