من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمس ومائة
فيها التقى في رمضان منها الجرّاح الحكميّ، وخاقان ملك التّرك، ودام الحرب أياما، ثم نصر الله دينه، وهزم الترك شرّ هزيمة. وكان المصّافّ بناحية إرمينية.
وفيها غزا الرّوم عثمان بن حيّان المرّي الذي ولي المدينة للوليد بن عبد الملك. وكان ظالما يقول الشعر على المنبر في خطبته، وقد روى له مسلم.
وفيها توفي في شعبان منها الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان، وجدّه لأمّه يزيد بن معاوية، عاش أربعا وثلاثين سنة. وولي أربع سنين وشهرا، وكان أبيض جسيما متلفا للمال، أعطى حلّاقا حلق له رأسه أربعة آلاف درهم.
ووقع مثل ذلك ليزيد بن المهلّب، أو لعله اشتبه على بعض المؤرخين اسمهما.
قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: لما استخلف قال: سيروا سيرة عمر بن عبد العزيز، فأتوه بأربعين شيخا شهدوا له أنّ الخلفاء لا حساب
عليهم ولا عذاب. فأقبل على الظلم وإتلاف المال والشراب، والانهماك على سماع الغناء، والخلوة بالقينات.
وكان ممن استولى على عقله جارية يقال لها حبابة، وكانت تغنّيه، فلما كثر ذلك منه عزله أخوه مسلمة، وقال له: إنما مات عمر أمس، وكان من عدله ما قد علمت، فينبغي أن تظهر للنّاس العدل، وترفض هذا اللهو، فقد اقتدى بك عمّالك في سائر أفعالك وسيرتك، فارتدع عما كان عليه، وأظهر الإقلاع والندم، وأقام على ذلك [مدّة] مديدة، فغلظ ذلك على حبابة، فبعث إلى الأحوص الشّاعر ومعبد المغنّي وقالت: انظرا ما أنتما
صانعان، فقال الأحوص في أبيات له:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدافقد غلب المحزون أن يتجلّدا
إذا كنت ممنوعا عن اللهو والصّبافكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا
فما العيش إلّا ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
وغنّاه معبد، فأخذته حبابة عنه، فلما دخل عليها يزيد قالت: يا أمير المؤمنين [اسمع منّي] صوتا واحدا ثم افعل ما بدا لك وغنّته، فلما فرغت منه، جعل يردّد قولها:
فما العيش إلّا ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
وعاد بعد ذلك إلى لهوه وقصفه ورفض ما كان عزم عليه.
وعن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثني ابن سلام قال: ذكر يزيد قول الشّاعر:
صفحنا عن بني ذهلوقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن قوما كالّذي كانوا
فلما صرّح الشّرّفأضحى وهو عريان
مشينا مشية اللّيثغدا واللّيث غضبان
بضرب فيه توهينوتخضيع وإقران
وطعن كفم الزّقّوهي والزّقّ ملآن
وفي الشّرّ نجاة حين لا ينجيك إحسان
وهو شعر قديم يقال: إنه للفند الزّمّاني في حرب البسوس فقال لحبابة: غنّيني به بحياتي، فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا شعر لا أعرف أحدا يغنّي به إلّا الأحول المكّي فقال: نعم قد كنت سمعت ابن عائشة يعمل فيه ويترك، قالت: إنما أخذه عن فلان ابن أبي لهب، وكان حسن الأداء، فوجه يزيد إلى صاحب مكّة: إذا أتاك كتابي هذا، فادفع إليّ فلان ابن أبي لهب ألف دينار لنفقة طريقه على ما شاء من دواب البريد، ففعل، فلما قدم عليه،
قال: غنّني بشعر الفند الزّمّاني، فغنّاه، فأجاد، وأحسن، وأطرب، فقال:
أعده، فأعاده، فأجاد، وأطرب يزيد، فقال له: عمّن أخذت هذا الغناء؟ قال:
أخذته عن أبي، وأخذه أبي عن أبيه، قال: لو لم ترث إلّا هذا الصّوت لكان أبو لهب- ﵁! - ورّثكم خيرا كثيرا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا لهب مات كافرا مؤذيا لرسول الله- ﷺ قال: قد أعلم ما تقول، ولكني داخلني عليه رقة إذ كان يجيد الغناء، ووصله، وكساه، ورده إلى بلده مكرّما.
وبالجملة فأخباره من هذا القبيل كثيرة فلنحبس عنان القلم عن ذلك سامحه الله تعالى.
وفيها، أو في التي قبلها أو بعدها، مات عكرمة مولى ابن عبّاس، أحد فقهاء مكّة، من التابعين الأعلام، أصله من البربر. وهب لابن عبّاس، فاجتهد في تعليمه، ورحل إلى مصر وخراسان، واليمن، وأصبهان، والمغرب، وغيرها، وكانت الأمراء تكرمه، وأذن له مولاه بالفتوى.
وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال: عكرمة.
ولما مات مولاه باعه ابنه عليّ من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف [دينار!]، فاستقاله فأقاله ثم أعتقه.
قيل: مات هو وكثيّر عزّة في يوم واحد وصلّي عليهما جميعا، فقيل:
مات أفقه النّاس وأشعر النّاس.
قال ابن قتيبة: كان عكرمة يكنى أبا عبد الله.
وروى جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال:
دخلت على عليّ بن عبد الله بن عبّاس، وعكرمة موثوق على باب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إن هذا يكذب على أبي.
وقال ابن الخلّال: سمعت يزيد بن هارون يقول: قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيّوب، وسليمان التيمي، ويونس، فبينما هو يحدثهم، إذ سمع صوت غناء، فقال عكرمة: اسكتوا، فسمع ثم قال:- قاتله الله- لقد أجاد، أو قال:
ما أجود ما غنى، فأما سليمان، ويونس فلم يعودا إليه، وعاد [إليه] أيوب.
قال يزيد: وقد أحسن أيوب.
ثم قال ابن قتيبة: وكان عكرمة يرى رأي الخوارج.
وطلبه بعض الولاة فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده. ومات سنة خمس ومائة، وقد بلغ ثمانين سنة. انتهى.
وقال ابن ناصر الدّين: احتج أحمد، ويحيى، والبخاريّ، والجمهور بما روى، وأعرض عنه مالك لمذهبه، وما كان يرى.
قال طاووس: لو ترك من حديثه واتّقى الله لشدّت إليه الرّحال. انتهى.
وفيها على الأصح أبو رجاء العطارديّ بالبصرة عن مائة وعشرين سنة، وكان أسلم في حياة النّبيّ- ﷺ وأخذ عن عمر، وطائفة.
قال ابن قتيبة: اسمه عمران بن تيم، ويقال: عطارد بن برد.
ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة، وهو من ولد عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ويقال: إنه مولى لهم.
وقال أبو رجاء: لما بلغني أنّ النّبيّ- ﷺ أخذ في القتل هربنا فأصبنا شلو أرنب دفينا، فاستثرناه وقعدنا عليه، وألقينا من بقول الأرض، فلا أنسى تلك الأكلة.
حدّثني أبو حاتم، عن الأصمعيّ قال: حدّثنا رزين العطارديّ قال: أتت أبا رجاء امرأة في جوف الليل، فقالت: يا أبا رجاء، إن لطارق الليل حقا، وإن بني فلان خرجوا إلى سفوان وتركوا شيئا من متاعهم، فانتعل وأخذ الكتب فأداها وصلّى بنا الفجر، وهي مسيرة ليلة للإبل. انتهى.
وعدّه ابن ناصر الدّين وغيره من المخضرمين، وقال: عاش مائة وعشرين سنة.
وفيها الأخوان عبيد الله، وعبد الله، ابنا عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وكان عبد الله وصيّ أبيه، وروايتهما قليلة.
والمسيّب بن رافع الكوفي، سمع البراء، وجماعة.
وعمارة بن خزيمة بن ثابت. روى عن أبيه ذي الشّهادتين وجماعة يسيرة، وهو مدنيّ.
وسليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، روى عن أبيه، وعائشة، وغيرهما.
وأبان بن عثمان بن عفّان الأمويّ الفقيه، روى عن أبيه.
قال ابن سعد: كان به صمم [شديد] ووضح كثير، وأصابه الفالج قبل موته بسنة.
قال ابن قتيبة: أبان بن عثمان شهد الجمل مع عائشة، وكان الثاني من المنهزمين، وكانت أمه بنت جندب بن عمرو بن حممة الدّوسي، وكانت حمقاء. تجعل الخنفساء في فمها وتقول: حاجيتك ما في فمي؟ وهي أمّ عمرو بن عثمان أيضا.
وكان أبان أبرص، أحول، يلقب: بقيعا. وكانت عنده أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر، خلف عليها بعد الحجّاج.
وعقبه كثير، منهم: عبد الرّحمن بن أبان [و] كان [عابدا] مجتهدا يحمل عنه الحديث. انتهى.
وفيها توفي أبو صخر كثيّر بن عبد الرّحمن صاحب عزّة، وإنما صغّر لشدة قصره، وكان يحمق، وهو من غلاة الشيعة الموقنين بالرّجعة وكان بمصر، وعزّة بالمدينة، فسافر ليجتمع بها، فلقيها في الطريق متوجهة إلى مصر، وجرى بينهما كلام طويل، ثم تمت في سفرها إلى مصر، وتأخر كثيّر بعدها مدّة ثم عاد إلى مصر، فجاء والنّاس منصرفون من جنازتها.
وروي أن عزّة دخلت على أمّ البنين ابنة عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز، وزوجة الوليد بن عبد الملك، فقالت لها: رأيت قول كثيّر:
قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمهوعزّة ممطول معنّى غريمها
[فقالت]: ما هذا الدّين؟ قالت: وعدته قبلة فتحرّجت منها، فقالت
أمّ البنين: أنجزيها وعليّ إثمها، فقيل: إنّ أمّ البنين أعتقت عن ذلك رقابا.
ويقال: إنه لما سمحت له بالقبلة، قبّلها في فمها، وقذف من فمه إلى فمها بلؤلؤة ثمينة، وكان لكثيّر غلام عطار بالمدينة، فباع من عزّة ونسوة معها نسيئة، ثم علم أنها عزّة فأبرأها، فعلم كثيّر، فأعتقه ووهبه العطر الذي عنده.
وحكي أن عبد الملك حين أراد الخروج لقتال مصعب بن الزّبير، عرضت له زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فلم يقبل منها، فبكت وبكى حشمها، فقال عبد الملك: قاتل الله كثيّرا كأنه رأى موقفنا هذا بقوله:
إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمهحصان عليها نظم درّ يزينها
نهته فلمّا لم تر النّهي عاقهبكت فبكى مما شجاها قطينها
والقطين: الخدم.
وذكر أن كثيّرا كان يهوى كل حسن، إما لشبهة بعزّة، أو استقلالا، ولهذا يقال: فلان كثيّريّ المحبّة، أي يحب كلّ من يعرض له لا يتقيد بمحبوب معين، بخلاف العامري.
ذكر أن عزّة تبدّلت في غير زيّها وتعرّضت لكثيّر، فراودها غير عالم بها، فقالت: اذهب إلى محبوبتك عزّة، فقال: ومن عزّة حتى تقاس بك؟ فسفرت عن وجهها وشتمته، فأطرق حياء ولم يذكرها إلى سنة، ثم بعد السنة أنشد تائيته الطنّانة التي سارت بها الرّكبان، التي مطلعها:
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع