تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وثمانين وأربعمائة

فيها قدم الإمام الغزالي دمشق متزهدا، وصنّف «الإحياء» وأسمعه بدمشق، وأقام بها سنتين، ثم حج وردّ إلى وطنه.

وفيها توفي أبو الفضل، أحمد بن الحسن بن خيرون البغدادي الحافظ، في رجب، عن اثنتين وثمانين سنة وشهر. روى عن أبي علي بن شاذان، والبرقاني، وطبقتهما، وكتب ما لا يوصف، وكان ثقة، ثبتا، صاحب حديث.

قال أبو منصور بن خيرون: كتب عمي عن أبي علي بن شاذان ألف جزء.

وقال السّلفي: كان يحيى بن معين وقته، ﵀.

وفيها أمير الجيوش بدر الأرمني، ولي إمرة دمشق في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وانفصل بعد عام، ثم وليها والشام كلّه في سنة ثمان وخمسين، ثم سار إلى الدّيار المصرية والمستنصر في غاية الضعف، فشيّد دولته، وتصرّف في الممالك، وولي وزارة السيف والقلم، وامتدّت أيامه، ولما أيس منه، ولي الأمر بعده ابنه الأفضل، وتوفي في ذي القعدة.

وفيها تتش، السلطان تاج الدولة أبو سعيد بن السلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق التّركي السّلجوقي. كان شهما، شجاعا، مقداما، فاتكا، واسع الممالك، كاد أن يستولي على ممالك أخيه ملكشاه، قتل بنواحي الرّيّ، وتملّك بعده ابناه، بحلب ودمشق.

وفيها رزق الله بن عبد الوهّاب بن عبد العزيز بن الحارث الإمام أبو محمد التميمي البغدادي، الفقيه الواعظ، شيخ الحنابلة. قرأ القرآن على أبي الحسن الحمّامي، وتقدم في الفقه، والأصول، والتفسير، والعربية، واللغة، وحدّث عن أبي الحسين بن المتيّم، وأبي عمر بن مهدي، والكبار. وتوفي في نصف جمادى الأولى عن ثمان وثمانين سنة.

قال أبو علي بن سكرة: قرأت عليه ختمة لقالون، وكان كبير بغداد وجليلها، وكان يقول: كل الطوائف تدّعيني. قاله في «العبر».

وقال ابن عقيل: في «فنونه»: ومن كبار مشايخي أبو محمد التميمي، شيخ زمانه، كان حسنة العالم، وماشطة بغداد. وقال: كان سيد الجماعة من أصحاب أحمد بيتا، ورئاسة، وحشمة، أبو محمد التميمي، وكان أحلى الناس عبارة في النظر، وأجرأهم قلما في الفتيا، وأحسنهم وعظا.

وفيها يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن سطور العكبري البرزبيني- بفتح الباء الموحدة أوله، والزاي ثالثة، ثم باء موحدة مكسورة، وتحتية، نسبة إلى برزبين، قرية ببغداد- القاضي أبو علي، قاضي باب الأزج. قدم بغداد بعد الثلاثين والأربعمائة، وسمع الحديث من أبي إسحاق البرمكي، وتفقه، على القاضي أبي يعلى، حتّى برع في الفقه، ودرّس في حياته، وشهد عند الدّامغاني، هو والشريف أبو جعفر في يوم واحد، سنة ثلاث

وخمسين، وزكّاهما شيخهما القاضي، وتولى يعقوب القضاء بباب الأزج، والشهادة سنة اثنتين وسبعين، ثم عزل نفسه عنهما، ثم عاد إليهما سنة ثمان وسبعين، واستمر إلى موته، وكان ذا معرفة تامة بأحكام القضاء وإنفاذ السجلات، متعففا في القضاء، متشددا في السّنّة.

وقال ابن عقيل: كان أعرف قضاة الوقت بأحكام القضاء والشروط، وله المقامات المشهودة بالديوان، حتّى يقال: إنه كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة من الصحابة في معرفة الرأي.

وذكره ابن السمعاني فقال: كانت له يد قوية في القرآن، والحديث، [والفقه]، والمحاضرة. قرأ عليه عامة الحنابلة ببغداد، وانتفعوا به، وكان حسن السيرة جميل الطريقة.

وفيها أبو يوسف القزويني، عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، شيخ المعتزلة وصاحب التفسير الكبير، الذي هو أزيد من ثلاثمائة مجلد. درس الكلام على القاضي عبد الجبّار بالرّيّ، وسمع منه، ومن أبي عمر بن مهدي الفارسي، وتنقل في البلاد، ودخل مصر، وكان صاحب كتب كثيرة، وذكاء مفرط، وتبحر في المعارف واطّلاع كثير، إلّا أنه كان داعية إلى الاعتزال. مات في ذي القعدة، وله خمس وتسعون سنة وأشهر.

وفيها أبو الحسن الحصري، المقرئ الشاعر، نزيل سبتة، علي بن عبد الغني الفهري، وكان مقرئا محقّقا وشاعرا مفلقا. مدح ملوكا ووزراء، وكان ضريرا.

قال ابن بسام في حقه: كان بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم

جماعة، طرأ على جزيرة الأندلس، منتصف المائة الخامسة من الهجرة، بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب يومئذ بأفقنا نافق السّوق، معمور الطريق، فتهادته ملوك طوائفها تهادي الرياض بالنّسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان فيما بلغني ضيق العطن، مشهور اللّسن، يتلفت إلى الهجاء تلفت الظمآن إلى الماء، ولكنه طوي على غرّه، واحتمل بين زمانته وبعد قطره، ولما خلع ملوك الطوائف بأفقنا، اشتملت عليه مدينة طنجة، وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه.

وقال ابن خلّكان: وهذا أبو الحسن- أي صاحب الترجمة- ابن خالة أبي إسحاق الحصري صاحب «زهر الآداب».

وذكره ابن بشكوال في كتاب «الصلة» - والحميدي أيضا- وقال:

كان عالما بالقراءات وطرقها، وأقرأ الناس القرآن الكريم بسبتة وغيرها، وله قصيدة نظمها في قراءة نافع، عدد أبياتها مائتان وتسعة. وله ديوان شعر، فمن قصائده السائرة القصيدة التي أولها:

يا ليل الصّبّ متى غدهأقيام السّاعة موعده
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة
رقد السّمّار فأرّقهأسف للبين يردّده
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة

وله أيضا:

أقول له وقد حيّا بكاسلها من مسك ريقته ختام
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة
أمن خدّيك تعصر؟ قال: كلّامتى عصرت من الورد المدام؟

ولما كان بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد صاحب

إشبيلية واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه وبلغه أن المعتمد ما احتفل به فقال:

نبّه الرّكب الهجوعاولم الدّهر الفجوعا
حمص الجنّة قالتلغلامي لا رجوعا
رحم الله غلاميمات في الجنّة جوعا

وقد التزم في هذه الأبيات لزوم ما لا يلزم، رحمه الله تعالى.

وفيها المعتمد على الله، أبو القاسم محمد بن المعتضد عبّاد بن القاضي محمد بن إسماعيل اللّخمي الأندلسي، صاحب الأندلس. كان ملكا جليلا، وعالما ذكيا، وشاعرا محسنا، وبطلا شجاعا، وجوادا ممدّحا. كان بابه محطّ الرّحال، وكعبة الآمال، وشعره في الذروة العليا، ملك من الأندلس، من المدائن، والحصون، والمعاقل مائة وثلاثين سورا، وبقي في المملكة نيفا وعشرين سنة، وقبض عليه أمير المسلمين ابن تاشفين، لما قهره، وغلب على ممالكه، وسجنه بأغمات، حتّى مات في شوال بعد أربع سنين من زوال ملكه، وخلع من ملكه عن ثمانمائة سرّيّة، ومائة وسبعين ولدا، وكان راتبه في اليوم ثمانمائة رطل لحم. قاله جميعه في «العبر».

وقال ابن خلّكان: جعل خواص الأمير يوسف بن تاشفين يعظّمون عنده بلاد الأندلس- لأنهم كانوا بمراكش، وهي بلاد بربر وأجلاف العربان- فجعلوا يحسّنون له أخذ الأندلس، ويوغرون قلبه على المعتمد بأشياء

نقلوها عنه، فتغير عليه وقصده، فلما انتهى إلى سبته، جهز إليه العساكر، وقدّم عليها سير بن أبي بكر الأندلسي، فوصل إلى إشبيلية وبها المعتمد، فحاصره أشد محاصرة، وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله، والناس بالبلد قد استولى عليهم الفزع وخامرهم الجزع، يقطعون سبلها سياحة ويخوضون نهرها سباحة، ويترامون من شرفات الأسوار. فلما كان يوم الأحد عشري رجب سنة أربع وثمانين، هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنّوا فيه الغارات، ولم يتركوا لأحد شيئا، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم، وقبض على المعتمد وأهله، وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك، أحدهما المأمون، كان ينوب عن والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه، والثاني الرّاضي، كان أيضا نائبا عن أبيه في رندة وهي من الحصون الممتنعة، فنازلوها وأخذوها، وقتلوا الرّاضي، ولأبيهما المعتمد فيهما مراث كثيرة.

وبعد ذلك جرى بإشبيلية على المعتمد ما ذكرناه. ولما أخذ المعتمد قيدوه من ساعته، وجعل مع أهله في سفينة.

قال ابن خاقان في «قلائد العقيان»: ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمّتهم كأنهم أموات، بعد ما ضاق عنهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا بضفتي الوادي، يبكون بدموع الغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم، وفي ذلك يقول ابن اللبانة:

تبكي السّماء بدمع رائح غاديعلى البهاليل من أبناء عبّاد
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذفي ضم رحلك واجمع فضلة الزّاد
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

وقال في هذه الحال وصفتها ابن حمديس الصّقلي:

ولما رحلتم بالنّدي في أكفكموقلقل رضوى منكم وثبير
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «جرى بك جد بالكرام عثور»
رفعت لساني بالقيامة قد دنتفهذي الجبال الراسيات تسير

وهي أبيات كثيرة.

وتألم المعتمد يوما من قيده وضيقه وثقله، فأنشد:

تبدّلت من ظل عزّ البنودبذلّ الحديد وثقل القيود
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «تبدلت من عز ظل البنود»
وكان حديدي سنانا ذليقاوعضبا رقيقا صقيل الحديد
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «تبدَّلتُ مِن عزِّ ظلِّ البُنودِ»
وقد صالا ذاك وذا أدهمايعضعض ساقيّ عضّ الأسود

ثم إنهم حملوه إلى الأمير يوسف بمراكش، فأمر بإرسال المعتمد إلى مدينة أغمات، واعتقله بها، فلم يخرج إلى الممات.

قال ابن خاقان: ولما أجلي عن بلاده، وأعري من طارفه وتلاده، وحمل في السفين، وأحل في العدوة محلّ الدّفين، تندبه منابره وأعواده، ولا يدنو منه زوّاره ولا عوّاده، بقي آسفا تتصعد زفراته، [وتطرد اطّراد المذانب عبراته، ويخلو بمؤانس، ولا يرى إلا عرينا بدلا من تلك المكانس، ولما يجد سلوّا ولم يؤمل دنوّا، ولم ير وجه مسرّة مجلوّا، وتذكر منازله فشاقته] وتصوّر بهجتها [فراقته]، وتخيّل استيحاش أوطانه، وإجهاش قصره ورأى إظلام جوّه من أقماره، وخلوه من حرّاسه وسمّاره.

وفي اعتقاله يقول أبو بكر الدّاني قصيدته المشهورة التي أولها:

لكلّ شيء من الأشياء ميقاتوللمنى من مناياهنّ غايات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
والدّهر في صبغة الحرباء منغمسألوان حالاته فيها استحالات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ونحن من لعب الشطرنج في يدهوربما قمرت بالبيدق الشاة
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
انفض يديك من الدّنيا وساكنهافالأرض قد اقفرت والنّاس قد ماتوا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وقل لعالمها الأرضي قد كتمتسريرة العالم العلوي أغمات

وهي طويلة.

ودخل عليه يوما بناته السجن، وكان يوم عيد، وكنّ يغزلن للناس بالأجرة في أغمات، حتّى إن إحداهنّ غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو في سلطانه، فرآهنّ في أطمار رثّة وحالة سيئة، فصدعن قلبه، وأنشد:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورافساءك العيد في أغمات مأسورا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
ترى بناتك في الأطمار جائعةيغزلن للنّاس لا يملكن قطميرا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسْرُورا»
برزن نحوك للتّسليم خاشعةأبصارهنّ حسيرات مكاسيرا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسْرُورا»
يطأن في الطّين والأقدام حافيةكأنّها لم تطأ مسكا وكافورا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»

ومنها:

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلافردّك الدّهر منهيّا ومأمورا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
من بات بعدك في دهر يسرّ بهفإنما بات بالأحلام مغرورا

وله:

قالت لقد هنّا هنامولاي أين جاهنا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قالت لقد هنا هنا»
قلت لها إلى هناصيّرنا إلهنا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قالت لقد هنا هنا»

ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم والقيود قد عضّت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساور السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعا إلّا ممتزجا بدم، بعد ما عهد نفسه فوق منبر وسرير، ووسط جنّة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، فلما رآه بكى وأنشد:

قيدي أما تعلمني مسلماأبيت أن تشفق أو ترحما
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قيدي أما تعلمني مسلما»
دمي شراب لك واللّحم قدأكلته لا تهشّم الأعظما
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قيدي أما تعلمني مسلما»
يبصرني فيك أبو هاشمفينثني والقلب قد هشّما
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قيدي أما تعلمني مسلما»
ارحم طفيلا طائشا لبّهلم يخش أن يأتيك مسترحما
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قيدي أما تعلمني مسلما»
وارحم أخيّات له مثلهجرعتهنّ السمّ والعلقما
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قَيدي أَما تَعلمُني مُسلما»
منهنّ من يفهم شيئا فقدخفنا عليه للبكاء العمى
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قيدي أما تعلمني مسلما»
والغير لا يفهم شيئا فمايفتح إلّا للرضاع الفما
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «قيدي أما تعلمني مسلما»

وكان قد اجتمع عنده جماعة من الشعراء وألحّوا عليه في السؤال، وهو على تلك الحال فأنشد:

سألوا اليسير من الأسير وإنهبسؤالهم لأحقّ منهم فاعجب
لولا الحياء وعزة لخميّةطيّ الحشا لحكاهم في المطلب
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «شُعراءُ طَنجَةَ كلُّهم وَالمَغرِبِ»

وأشعار المعتمد وأشعار الناس فيه كثيرة، وكانت ولادته في ربيع الأول، سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة بمدينة باجة من بلاد الأندلس، وملك بعد وفاة أبيه هناك، وتوفي في السجن بأغمات حادي عشر شوال، وقيل: في [ذي] الحجة، ﵀.

ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب، بعد عظم سلطانه وجلالة شأنه، فتبارك من له البقاء والعزّة والكبرياء، واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء، الذين كانوا يقصدونه بالمدائح، ويجزل لهم المنائح، فرثوه بقصائد مطولات، وأنشدوها عند قبره، وبكوا عليه، فمنهم:

أبو بحر عبد الصمد شاعره المختص به، رثاه بقصيدة طويلة أجاد فيها وأولها:

ملك الملوك أسامع فأناديأم قد عدتك عن السماع عوادي
لمّا نقلت عن القصور ولم تكنفيها كما قد كنت بالأعياد
أقبلت في هذا الثّرى لك خاضعاوجعلت قبرك موضع الإنشاد

ولما فرغ من إنشادها قبّل الثرى، ومرغ جسمه، وعفّر خده، فأبكى كل من حضر.

ورأى أبو بكر الدّاني حفيد المعتمد- وهو غلام وسيم- قد اتخذ الصياغة صناعة، وكان يلقب في أيام دولتهم فخر الدولة، وهو من الألقاب السلطانية عندهم، فنظر إليه وهو ينفخ في الفحم بقصبة الصائغ، فقال من جملة قصيدة:

شكاتنا فيك يا فخر العلى عظمتوالرزء يعظم فيمن قدره عظما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
طوّقت من نائبات الدّهر مخنقةضاقت عليك وكم طوّقتنا نعما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وعاد طوقك في دكان قارعةمن بعد ما كنت في قصر حكى إرما
صرفت في آلة الصّياغ أنملةلم تدر إلا النّدى والسيف والقلما
يد عهدتك للتّقبيل تبسطهافتستقلّ الثريا أن تكون فما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
يا صائغا كانت العليا تصاغ لهحليا وكان عليه الحليّ منتظما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
للنفخ في الصور هول ما حكاه سوىأني رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك بهلو أن عيني تشكوا قبل ذاك عمى
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ما حطّك الدّهر لما حطّ عن شرفولا تحيّف من أخلاقك الكرما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمراوقم بها ربوة إن لم تقم علما
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفتولو وفي لك دمع العين لانسجما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
أبكى حديثك حتّى الدّهر حين غدايحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما

ويكفي هذا المقدار، ولولا خوف الإطالة لبيّضت الليالي بلآلئ نظامه، ولسوّدت سطور الطّروس بمصابه ونكبة أيامه، فرحمة الله عليه، وعوّضه بنعيم الفردوس لديه.

وفيها محمد بن علي بن أبي صالح البغوي الدبّاس، آخر من روى «الترمذي» عن الجراحي، توفي ببغشور في ذي القعدة، وكان من الفقهاء.

وفيها قاضي القضاة الشامي أبو بكر محمد بن المظفر بن بكران الحموي الشافعي. كان من أزهد القضاة، وأورعهم، وأتقاهم لله، وأعرفهم بالمذهب.

ولد بحماة سنة أربعمائة، وسمع ببغداد من عثمان بن دوست وطائفة، وولي بعد أبي عبد الله الدامغاني، وكان من أصحاب القاضي أبي الطيّب الطبري. لم يأخذ على القضاء رزقا، ولا غيّر ملبسه. ولي القضاء سنة ثمان وسبعين، بعد ما امتنع، فألحوا عليه، فاشترط عليهم أن لا يأخذ عليه معلوما،

وأن لا يقبل من أحد شفاعة، ولا يغيّر ملبسه، فأجابوه، فأجابهم إلى ذلك، وكان يقول: ما دخلت في القضاء حتّى وجب عليّ.

وقيل: إنه لم يتبسم قطّ، وكان له أجور من أملاكه تبلغ في الشهر دينارا ونصفا ينتفع بذلك.

قال أبو علي بن سكرة: أما العلم فكان يقال: لو رفع المذهب أمكنه أن يمليه من صدره.

وقال السمعاني: هو أحد المتقنين لمذهب الشافعي، وله اطّلاع على أسرار الفقه، وكان ورعا، زاهدا، جرت أحكامه على السداد.

وقال ابن النجار: صنّف كتاب «البيان في أصول الدّين» وكان على طريقة السلف.

وقال غيره: لم يقبل من سلطان عطية، ولا من صديق هدية، وكان يعاب بالحدّة وسوء الخلق. توفي عاشر شعبان ودفن قرب ابن سريج.

وفيها أبو عبد الله الحميدي محمد بن [أبي] نصر فتّوح بن عبد الله بن فتّوح بن حميد بن يصل الميورقي- بفتح الميم وضم التحتية، وسكون الراء، وقاف، نسبة إلى ميورقة، جزيرة قرب الأندلس- الأندلسي الحافظ الحجّة العلّامة، مؤلف «الجمع بين الصحيحين» توفي في ذي الحجة، عن نحو سبعين سنة. وكان أحد أوعية العلم، وكان ظاهري المذهب، أكثر عن ابن حزم، وابن عبد البرّ، وحدّث عن خلق، ورحل في حدود الخمسين، فسمع بالقيروان، والحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وكتب عن خلق كثير، وكان دؤوبا على الطلب للعلم، كثير الاطّلاع، ذكيا،

فطنا، صيّنا، ورعا، أخباريا، متقنا، كثير التصانيف، حجة، رحمه الله تعالى.

وفيها نجيب بن ميمون أبو سهل الواسطي ثم الهروي. روى عن أبي علي الخالدي وجماعة، وعاش بضعا وتسعين سنة.

وفيها هبة الله بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عمر أبو نصر البغدادي الحافظ. سمع وألّف، وجمع وصنّف، ومات كهلا عن ست وأربعين سنة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.