تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الحث على سياسة الرياسة ورعاية الرعية

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَحْطَبَةَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ ابن إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالَ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عنه

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه صرحت السنة عَن المصطفى ﷺ بأن كل راع مسئول عَن رعيته فالواجب على كل من كان راعيا لزوم التعاهد لرعيته فرعاة الناس العلماء وراعي الملوك العقل وراعي الصالحين تقواهم وراعي المتعلم معلمه وراعي الولد والده كما أن حارس المرأة زوجها وحارس العبد مولاه وكل راع من الناس مسئول عَن رعيته

وأكثر مَا يجب تعاهد الرعية للملوك إذ هم رعاة لها وهم أرفع الرعاة لكثرة نفاذ أمورهم وعقد الأشياء وحلها من ناحيتهم فإذا لم يراعوا أوقاتهم ولم يحتاطوا لرعيتهم هلكوا وأهلكوا وربما كان هلاك عالم في فساد ملك واحد ولا يدوم ملك ملك إلا بأعوان تطيعه ولا يطيعه الأعوان إلا بوزير ولا يتم ذلك إلا أن يكون الوزير ودودا نصوحا ولا يوجد ذلك من الوزير إلا بالعفاف

والرأي لا يتم قوام هؤلاء إلا بالمال ولا يوجد المال إلا بصلاح الرعية ولا تصلح الرعية إلا بإقامة العدل فكأن ثبات الملك لا يكون إلا بلزوم العدل وزواله لا يكون إلا بمفارقته

فالواجب على الملك أن يتفقد أمور عماله حتى لا يخفى عَلَيْهِ إحسان محسن ولا إساءة مسيء لأنه إذا جنى عَلَيْهِ أعمال عماله لم يكن قائما بالعدل

ولقد أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

إذا أسست قوما فاجعل العدل بينهموبينك تأمن كل مَا تتخوف
وإن خفت من أهواء قوم تشتتافبالجود فاجمع بينهم يتألفوا

حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمر بْن حبيب القاضي حَدَّثَنَا الأصمعي قَالَ قال ملك طخارستان لنصر بْن سيار ينبغي للأمير أن يكون له ستة أشياء وزير يثق به ويفضي إليه بسره وحصان يلجأ إليه إذا فزع أنجاه يعني فرسا وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف أن يخونه وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة أخذها وامرأة إذا دخل إليها أذهبت همه وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له شيئا يشتهيه

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يجب للسلطان أن يفرط البشاشة والهشاشة للناس ولا أن يقل منهما فإن الإكثار منهما يؤدي إلى الخفة والسخف والإقلال منهما يؤدي إلى العجب والكبر ولا ينبغي له أن يغضب لأن قدرته من وراء حاجته ولا أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه ولا له أن يبخل لأنه لا عذر له في منع الأموال والجاه معا ولا له أن يحقد لأنه يجب أن يترفع عَن المجازاة فأفضل السلطان مالم يخالطه البطر وأعجزهم آخذهم بالهوينا وأقلهم نظرا في العواقب وخير السلطان من أشبه النسر حوله الجيف لا من أشبه الجيف حولها النسور

ويجب عَلَيْهِ استبقاء الرياسة وما فيه من نعمه اللَّه عَلَيْهِ بلزوم تقوى اللَّه وتفقد

أمور الرعية وإنصاف بعضهم بعضا لأنه مَا من قوي في الدنيا إلا وفوقه أقوى منه فمتى مَا عرف السلطان فضل قوته على الضعفاء فغره ذلك من قوة الأقوياء كانت قوته حينا عَلَيْهِ وهلاكا له والضعيف المحترس أقرب إلى السلامة من القوي المغتر لأن صرعة الاسترسال لا تكاد تستقال ولا يجب أن يعجل في سلطانه بعقاب من يخاف أن يندم عَلَيْهِ ولا يثقن بمن عاقبه من غير جرم

وما أشبه السلطان إلا بالنار إن قصرت بطل نفعها وإن جاوزت عظم ضرها فخير السلطان من أشبه الغيث في أحيائه في نفع من يليه لا من أشبه النار في أكلها مَا يليها

والسلطان إذا كان عادلا خير من المطر إذا كان وابلا وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم والناس إلى عدل سلطانهم أحوج منهم إلى خصب زمانهم

ولقد حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مرجي بْن المؤمل بْن المثنى المري عَن أبيه قَالَ قَالَ الأحنف بْن قيس الولي من الرعية مكان الروح من الجسد الذي لا حياة له إلا به وموضع الرأس من أركان الجسد الذي لا بقاء له إلا معه

وأنشدني ابن زنجي البغدادي للأفوه الأودي

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهالهم سادوا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم»
والبيت لا يبتنى إلا بأعمدةولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدةوساكن أدركوا الأمر الذي كادوا
تهدى الأمور بأهل الرأي مَا صلحتفإن تولت فبالأشرار تنقاد

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على السلطان قبل كل شيء أن يبدأ بتقوى اللَّه وإصلاح سريرته بينه وبين خالقه ثم يتفكر فيما قلده اللَّه من أمر إخوانه ورفعه عليهم ليعلم أنه مسئول عنهم في دق الأمور وجلها ومحاسب على قليلها وكثيرها ثم يتخذ وزيرا صالحا عاقلا عفيفا نصوحا وعمالا صالحين

بررة راشدين وأعوانا مستورين وخدما معلومين ثم يقلد عماله مالا غنى له عنهم ويشترط عليهم تقوى اللَّه وطاعته وأخذ المال من حله ويفرقه في أهله ثم يتفقد أمر بيت المال بأن لا يدخله حبة فما فوقها من قهر أو جور أو سلب أو نهب أو رشوة فإنه مسئول عَن كل ذرة منه ومحاسب على كل حبة فيه ثم لا يخرجه إلا في المواضع التي أمر اللَّه جل وعلا في سورة الأنفال

ثم يتفقد أمور الحرمين وطريق الحاج ومجاوري بيت الله وقبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثم يتفقد ثغور المسلمين ولا يولى على الثغور من عماله إلا من يعلم أن القتل في سبيل اللَّه يكون آثر عنده من البقاء في الدنيا ليغزي الناس ولا يعطل الثغر

ثم يتفقد ثغور المسلمين ومراقبهم والأبرجة التي بين المسلمين وبين عدوهم بأن يعمرها ويقيم فيها أعينا من المسلمين تتجسس أخبار العدو ويجري عليهم من بيت مالهم

ثم يتفقد أولاد المهاجرين والأنصار بعطاياهم ويعرف فضيلتهم وسابقة آبائهم وأنه إنما نال مَا نال بهم

ثم يتفقد أمور الحكام بأن لا يولى أحدا على قضاء المسلمين إلا من يعلم منه العفاف والعلم وترك الميل إلى الهوى والحكم بغير مَا يوجبه العلم

ثم يتفقد أهل العلم والقراء والمؤذنين والصالحين وضعفاء المسلمين وليكن لمن هو أصغر سنا منه أبا ولمن هو أكبر منه ابنا ولأترابه أخا فيكون في تفقد أمورهم ولصلاح أسبابهم أكثر من تفقدهم بأنفسهم

ثم يختار من الرعية أقواما أمناء يبعث بهم في كل سنة إلى المدن ليشرفوا على العمال والحكام ويتفقدوا أسبابهم وسيرهم ويخبروه بها فيعزل من استحق منهم العزل ويقر من اتبع الحق

ثم يجعل لنفسه موضعا لا يمنع منه لطرح القصص ويبرز للرعية في كل يوم مرة أو في كل ثلاثة أيام أو في كل أسبوع ليرفعوا إليه حوائجهم وليجتنب الحدة وليلزم الحلم الدائم فيما يرد عليه من أسبابهم

ولقد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن قحطبة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زنبور حدثنا أبو بكر ابن عياش أن أهل الجاهلية لم يكونوا يسودون عليهم أحدا لشجاعة ولا لسخاء إنما كانوا يسودون من إذا شتم حلم وإذا سئل حاجة قضاها أو قام معهم فيها

وأنشدني الأبرش

وقد يبغض الحيات أولاد آدموأبغض مَا فيها إليهم رءوسها
وما ابتليت يوما بشر قبيلةأضر عليها من سفيه يسوسها

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يستحق أحد اسم الرياسة حتى يكون فيه ثلاثة أشياء العقل والعلم والمنطق

ثم يتعرى عَن ستة أشياء عَن الحدة والعجلة والحسد والهوى والكذب وترك المشاورة

ثم ليلزم في سياسته على دائم الأوقات ثلاثة أشياء الرفق في في الأمور والصبر على الأشياء وطول الصمت

فمن تعرى عَن هذه الأشياء وهو ذو سلطان عمي عَلَيْهِ قلبه وتشتتت عَلَيْهِ أموره ومن لم يكن فيه خصلة من هذه الخصال نقص من ضوء بصر قلبه مثلها الخلل في أموره نحوها

وإنما مثل الرئيس والرعية كمثل جماعة ليس فيهم إلا قائد واحد فإن لم يكن

ذلك القائد أحد الناس بصرا وألطفهم نظرا كان خليقا أن يوقعهم وإياه في وهدة تندق أعناقهم وعنقه معهم

والواجب على السلطان أن لا يغفل عَن الأشياء الأربعة التي صلاحه في دينه ودنياه فيها وهي مَا حَدَّثَنَا به عمرو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُشَمِيُّ حَدَّثَنَا المدائني قَالَ خرج الزهري يوما من عند هشام بْن عَبْد الملك فقال مَا رأيت كاليوم ولا سمعت به كأربع كلمات تكلم بهن رجل آنفا عند هشام بْن عَبْد الملك فقيل له وما هن قَالَ قَالَ له رجل يا أمير المؤمنين احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك قَالَ هاتهن قَالَ لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرا واعلم أن للأعمال جزاءا فاتق العواقب وأن للأمور بغتات فكن على حذر

وأنشدني المنتصر بْن بلال

بلاء الناس مذ كانواإلى أن تأتي الساعه
بحب الأمر والنهيوحب السمع والطاعه

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يجب للعاقل طلب الإمارة لأن من أوتيها عَن مسألة وكل إليها ومن أعطيها من غير مسألة أعين عليها ومن اشتهر بالرياسة فليحترز لأن الريح الشديدة لا تحطم الكلأ وهي تحطم دوح الشجر ومشيد البنيان

وليلزم المشورة فإن في المشورة صلاح الرعية ومادة الرأي وليصنع إلى الناس كافة في الوقت الذي يقدر على الصنائع والمعروف قبل أن يجيئه الوقت الذي يفقد فيه القدرة عليها وليعتبر بمن كان قبله من الملوك والأمراء والسادة والوزراء لأن من ظفر بأمر جسيم فأضاعه فاته ومن أمكنته الفرصة فأخر العمل فيها لا تكاد تعود إليه

والسلطنة إنما هي قول الحق والعمل بالعدل لا التفاخر في الدنيا واستعمال البذل ولقد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا خطاب بْن عَبْد الرحمن الجندي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سليمان قَالَ قَالَ أَبُو عمرة بْن العلاء كانو لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال وتمامهن في الإسلام السابعة السخاء والنجدة والصبر والحلم والبيان والتواضع وتمامهن في الإسلام الحياء

وأنشدني الكريزي

إذا نلت الإمارة فاسم فيهاإلى العلياء بالعمل الوثيق
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
بمحض خليقة لا عيب فيهاوليس المحض كاللبن المذيق
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ولا تك عندها حلوا فتحسىولا مرا فتنشب في الحلوق
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وكل إمارة إلا قليلامغيرة الصديق عن الصديق
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه من صحب السلطان فلا يجب أن يكتمه نصيحته لأن من كتم السلطان نصيحته والأطباء مرضه والإخوان بشه فقد خان نفسه ومن يصحب السلطان لا ينجو من الآثام كما أن راكب العجل لا يأمن العثار ولا يجب أن يأمن غضب السلطان إن صدقه ولا عقوبته إن كذبه ولا يجتريء عَلَيْهِ وإن أدناه لأن الحازم العاقل لا يشرب السم اتكالا على مَا عنده من الترياق والأدوية

وإني لأستحب لمن امتحن بصحبة السلطان أن يعلمه لزوم تقوى اللَّه والعمل الصالح كأنه يتعلم منه ويؤدبه كأنه يتأدب به ويتقي سخطاته والسخط إذا كان من علة كان الرضا عنه موجودا وإذا كان من غير علة ينقطع حينئذ الرجاء ولا يجب أن يعلم كل مَا تأتي الملوك من أمورها لأن في معرفتهم إياها بعض الفتنة

وهيهات من ذا صحب السلطان فلم يفتتن ومن اتبع الهوى فلم يعطب إن الشجرة الحسنة ربما كان سبب هلاكها طيب ثمرتها وربما كان ذنب الطاووس الذي في جماله سبب حتفه لأنه يثقله حتى يمنعه من الهرب ومن صحب السلطان لم يأمن التغيير على نفسه لأن الأنهار إنما تكون عذبة مَا لم تنصب الى البحور فإذا وقعت في البحور ملحت على أن قعود العلماء عَن أبواب الملوك زيادة في نور علمهم وكثرة غشيانهم إياهم غشاوة على قلوبهم ومن صحب الملوك لم يأمن تغيرهم ومن زايلهم لم يأمن تفقدهم وإن قطع الأمور دونهم لم يأمن فيها مخالفتهم وإن عزم على شيء لم يجد بدا من مؤامرتهم وأسمج شيء بالملوك الحدة

ولقد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الحسن بْن عَبْد الجبار الصوفي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن معين حَدَّثَنَا المبارك بْن سَعِيد الثوري قَالَ كان يقال خمس خلال هن أقبح شيء بمن كن فيه الحدة في السلطان والكبر في ذي الحسب والبخل في الغنى والحرص في العالم والفتوة في الشيخ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه رؤساء القوم أعظمهم هموما وأدومهم غموما وأشغلهم قلوبا وأشهرهم عيوبا وأكثرهم عدوا وأشدهم أحزانا وأنكاهم أشجانا وأكثرهم في القيامة حسابا وأشدهم إن لم يعف اللَّه عنهم عذابا

ومن أحسن مَا يستعين به السلطان على أسبابه اتخاذ وزير عفيف ناصح على مَا تقدم ذكرنا له فإن الوزير إذا غفل الأمير ذكره وإن ذكر أعانه وإن سولت له نفسه سيئة صده وإن أراد طاعة نشطه فهو المحبب له الى الناس والمستجلب له دعائهم

ولقد أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

إذا نسى الأمير قضاء حقفإن الذنب فيه للوزير
لأن على الوزير إذا تولىأمور الناس تذكير الأمير

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على كل من يغشى السلطان وامتحن

بصحبته أن لا يعد شتمه شتما ولا إغلاظه إغلاظا ولا التقصير في حقه ذنبا لأن ريح العزة بسطت لسانه ويده بالغلظة فإن أنزله الوالي منزلة رفيعة من نفسه فلا يثقن بها وليجانب معه كلام الملق والإكثار من الدعاء في كل وقت وكثرة الانبساط فرب كلمة أثارت الوحشة بل يجتهد في توقيره وتعظيمه عند الناس فإن غضب فليحتل في تسكين غضبه باللين والمداراة ولا يكون سببا لتهييجه

ولقد حَدَّثَنَا عمرو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابن عائشة عَن أبيه قَالَ بعث أَبُو جعفر إلى جعفر بْن مُحَمَّد قَالَ إني أستشيرك في أمر إني قد تأنيت أهل المدينة مرة بعد أخرى فلا أراهم يرجعون ولا يعتبون وقد رأيت أن أبعث فأحرق نخلها وأغور عيونها فما ترى فسكت جعفر فقال مالك لا تكلم قَالَ إن أذنت لي تكلمت قَالَ قل قَالَ يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر وإن أيوب أبتلى فصبر وإن يُوسُف قدر فغفر وقد جعلك الله من النسل الذي يعفون ويصفحون قال فطفيء غضبه وسكن

حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بن سعيد عن محمد ابن حميد بْن فروة عَن أبيه قَالَ لما استقرت للمأمون الخلافة دعا إبراهيم بن مهدي المعروف بابن شكلة فوقف بين يديه فقال أنت المتوثب عليها تدعي الخلافة فقال إِبْرَاهِيم يا أمير المؤمنين أنت ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك اللَّه فوق كل ذي ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن أخذت أخذت بحق وإن عفوت عفوت بفضل ولقد حضرت أَبِي وهو جدك أتي برجل كان جرمه أعظم من جرمي فأمر الخليفة بقتله وعنده المبارك بْن فضالة فقال المبارك بْن فضالة إن رأى أمير المؤمنين أن يستأنى في أمر هذا الرجل حتى أحدثه بحديث سمعته من الحسن يحدث به عَن رَسُول اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إيه يا مبارك قَالَ حدثني الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إذا كان يوم القيامة نادى مناد مناد من بطنان العرش الاليقم العافون من الخلفاء فلا يقوم إلا من عفا فقال الخليفة له يا مبارك قد قبلت الحديث وعفوت عنه أخرج أيها الرجل فلا سبيل لأحد عليك فقال المأمون يا عم ههنا يا عم ها هنا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على من ملك أمور المسلمين الرجوع إلى اللَّه جل وعلا في كل لحظة وطرفة لئلا يطغيه مَا هو فيه من تسلطه بل يذكر عظمة اللَّه وقدرته وسلطانه وأنه هو المنتقم ممن ظلم والمجازي لمن أحسن فليلزم في إمرته السلوك الذي يؤديه إلى اكتساب الخير في الدارين وليعتبر بمن كان قبله من أشكاله فإنه لا محالة مسئول عَن شكر مَا هو فيه كما هو لا محالة مسئول عَن حسابه إذا المصطفى ﷺ قَالَ يقول اللَّه تبارك وتعالى يوم القيامة ألم أحملك على الخير ورزقتك النساء وجعلتك ترأس وتربع فيقول بلى فيقول فأين شكر ذلك

وأنشدني ابن زنجي البغدادي

يدبر أسباب الرجال مؤمرإذا صلحت في الصدر أشفى وأبين
من العقل أن تحتاط فيما وليتهوتحسم مَا تخشاه والأمر ممكن

ذكر الدنيا وتقلبها بأهلها

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ حَدَّثَنَا عبد الله بن هانيء بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا يَا ابْنَ

جُعْشُمٍ يَكْفِيكَ مِنْهَا مَا سَدَّ جَوْعَتَكَ وَوَارَى عَوْرَتَكَ فَإِنْ يَكُنْ ثَوْبًا تَلْبَسُهُ فَذَاكَ وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً تَرْكَبُهَا فَبَخٍ فِلَقُ الْخُبْزِ وما الحب وَمَا فَوْقَ الإِزَارِ حِسَابٌ عَلَيْكَ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وزهرتها وحسنها وبهجتها فيشتغل بها عَن الآخرة الباقية والنعم الدائمة بل ينزلها حيث أنزلها اللَّه لأن عاقبتها لا محالة تصير إلى فناء يخرب عمرانها ويموت سكانها وتذهب بهجتها وتبيد خضرتها فلا يبقى رئيس متكبر مؤمر ولا فقير مسكين محتقر إلا ويجري عليهم كأس المنايا ثم يصيرون إلى التراب فيبلون حتى يرجعون إلى مَا كانوا عَلَيْهِ في البداية إلى الفناء ثم يرث الأرض ومن عليها علام الغيوب فالعاقل لا يركن إلى دار هذا نعتها ولا يطمئن إلى دنيا هذه صفتها وقد ادخر له مَا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيضن بترك هذا القليل ويرضى بفوت ذلك الكثير

حدثنا مُحَمَّد بْن المسيب بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا يعقوب بْن إِبْرَاهِيم الدورقي قَالَ سمعت بشر بْن الحارث يقول

لا تأس في الدنيا على فائتوعندك الإسلام والعافية
إن فات أمر كنت تسعى لهففيهما من فائت كافيه

وأنشدني الكريزي أنشدني شعيب بْن أَحْمَد لسليمان بْن يزيد العدوى

ألم تر أن المرء يودي شبابهوأن المنايا للرجال تشعب
فمن ذائق كأسا من الموت مرةوآخر أخرى مثلها يترقب
لها منهم زاد حثيث وسائقوكل بكأس الموت يوما سيشرب
وما وارث إلا سيورث مالهولا سالب إلا وشيكا سيسلب
.. ولا آلف إلا سيتبع إلفهولا نعمة إلا تبيد وتذهب
وما من معان والمصائب جمةيعاورها العصران إلا سيعطب
أرى الناس أصنافا أقاموا بعربةتقلبهم أيامها وتقلبوا
بدار غرور حلوة يعمرونهاوقد عاينوا فيها زوالا وجربوا
يذمون دنيا لا يريحون درهافلم أر كالدنيا تذم وتحلب
تسرهم طورا وطورا تذيقهممضيض مكاو حرها يتلهب

حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه قَالَ عاد رجل مريضا فسمع قائلا يقول من ناحية البيت

ناد رب الدار ذا المال الذيجمع الدنيا بحرص مَا فعل

فأجابه مجيب

كان في الدار سوها دارهعللته بالمنى ثم انتقل
لم يمتع بالذي كان حوىمن حطام المال إذا حل الأجل
إنما الدنيا كظل زائلطلعت شمس عَلَيْهِ فاضمحل

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه رأيت على حجر بطبرستان مكتوب

العيش لونان فحلو ومروالدهر نصفان فريف وضر
والنطق جزآن فبعر ودروالناس اثنان فنذل وحر
يومك يومان فخير وشرنهار يزول وليل يكر
وكذاك الزمان على من مضىوكل السنين على ذا تمر

وأنشدني الأبرش

إنما الدنيا نهارضوئها ضوء معار
بينما غصنك عضناعم فيه اخضرار
.. إذ رماه زمناهفإذا فيه اصفرار
للشاعر صالح بن جناح اللخمي، من قصيدة «إنما أنت نهارٌ»
وكذلك الليل يأتيثم يمحوه النهار

وأنشدني ابن زنجي البغدادي

يا لائم الدهر إذا مَا نبالا تلم الدهر على غدره
الدهر مأمور له آمرينصرف الدهر إلى أمره
كم كافر بالله أموالهتزداد أضعافا على كفره
ومؤمن ليس له درهميزداد إيمانا على فقره
لا خير فيمن لم يكن عاقلايبسط رجليه على قدره

وأنشدني الكريزي

ما الدهر إلا ليلة ويوموالعيش إلا يقظة ونوم
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
يعيش قوم ويموت قوموالدهر قاض مَا عَلَيْهِ لوم
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

أنبأنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن سلم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي الحواري حَدَّثَنَا إِسْحَاق الموصلي قَالَ قَالَ أَبُو حازم بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثر منها في أوان كسادها فإنه لو جاء أوان نفاقها لم تصل منها لا إلى قليل ولا إلى كثير

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الدنيا بحر طفاح والناس في أمواجها يعومون وفي أمثال تضربها الأيام للأنام وما أكثر أشباهها منها لأن كل مَا يصير إلى فناء منها يشبهها فمن أوتي من الدنيا أشياء ثلاثة فقد أوتي الدنيا بحذافيرها الأمن والقوت والصحة لا يغتر بشيء منها إلا كل خداع ولا يركن إليها إلا كل مناع

فالعاقل يعلم أن مَا لم يبقى لغيره عَلَيْهِ غير باق وأن مَا سلب عَن غيره لا يترك عَلَيْهِ فالقصد إلى مَا يعود بالنفع في الآخرة للعاقل من الدنيا أحرى من السلوك في قصد الضن بها والجمع لها من غير تقديم ما يقدم عَلَيْهِ في الآخرة من الأعمال الصالحة وتركك الاغترار بها والاعتبار بتقلبها بأهلها ولا شيء أعظم خطرا من

الحياة ولا غبن أعظم من إفنائها لغير حياة الأبد ومن اشتهى أن يكون حرا فليجتنب الشهوات وإن كانت لذيذة وليعلم أن كل لذيذ ليس بنافع ولكن كل نافع هو الذيذ وكل الشهوات مملولة إلا الأرباح فإنها لا تمل وأعظم الأرباح الجنة والاستغناء بالله عَن الناس

ولقد أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

فأعظم بصبر للزمان فإنهعلى حالة المكروه ليس بدائم
تدور لنا أفلاكه بعجائبإذا مَا انقضت كانت كأحلام نائم
سرور وهم وانتعاش وسقطةإلى أجل دان لذلك هادم
وبالله دون الناس فاستغن واستعنإذا أنزلت إحدى الأمور العظائم

وأنشدني

وأنشدني المنتصر بْن بلال

فيوم علينا ويوم لناويوما نساء ويوما نسر
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
كذاك التقارض بين الأنامفخير بخير وشر بشر

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن الجنيد حَدَّثَنَا عَبْد الوارث بْن عَبْد اللَّه عَن عَبْد الله من مسعر عَن معن بْن عون قَالَ كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومنتظر غدا لا يدركه لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه السبب المؤدي للعاقل إلى إنزاله الدنيا منزلتها ترك الركون إليها مع تقديم مَا قدر منها للعيش الدائم والنعيم المقيم هو ترك طول الأمل وراقبة ورود الموت عَلَيْهِ في كل لحظة وطرفة لأن طول الآمال قطعت أعناق الرجال كالسراب أخلف من رجاه وخاب من رآه فالعاقل يلزم تركها مع الاعتبار الدائم بمن مضى من الأمم السالفة والقرون

الماضية كيف عفت آثارهم واضمحلت أنباؤهم فما بقى منهم إلا الذكر ولا من ديارهم إلا الرسم فسبحان من هو قادر على بعثهم وجمعهم للجزاء والعقاب

ولقد أنشدنا عمرو بْن مُحَمَّد قال أنشدنا الغلابي قَالَ أنشدني مهدي بْن سابق

كنا على ظهرها والعيش ذو مهلوالدهر يجمعنا والدار والوطن
ففرق الدهر ذو التصريف ألفتنافاليوم يجمعنا في بطنها الكفن
كذلك الدهر لا يبقى على أحدتأتي بأقداره الأيام والزمن

وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد الله البغدادي

حتى متى يبقى حليف الأسىمستشعرا للدهر أحزانا
فلا يرد الحزن شيئاولا يعتب هذا الدهر إنسانا
قد يقبل الدهر بسرائهطورا وقد يدبر أحيانا
فاصبر على مَا جر من حادثمَا زال غدارا وخوانا
وأحسن الظن بمن لم يزلعليك مفضالا ومنانا

وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد قَالَ أنشدنا الغلابي لابن أَبِي عيينة المهلبي

ما راح يوم على حي ولا ابتكراإلا رأى عبرة فيها إن اعتبرا
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
ولا أتت ساعة في الدهر فانصرفتحتى توثر في قوم لها غيرا
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
إن الليالي والأيام أنفسهاعَن غيب أنفسها لم تكتب الخبرا
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

أنبأنا علي بْن سَعِيد العسكري حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد حَدَّثَنَا الحسن بْن سَعِيد الجرجاني قَالَ سمعت أبا مريم الصلت بْن كلثم يقول كانت امرأة من بني إسرائيل متعبدة وكانت تفطر كل سبت فبينما هي ذات يوم قد وضعت إفطارها بين يديها جعلت تقول محب يحب حبيبه يتشاغل بالأكل عَن خدمة محبه فيوشك أن يقدم عَلَيْهِ رَسُول حبيبه وهو متشاغل بأكله عَن خدمته فلا تقر عينه في لقائه فمكثت كذلك مدة لا تفطر قَالَ ثم وضعت إفطارها بين يديها وجعلت تقول مثل مَا كانت تقول وإذا شاب من ناحية البيت جميل

الوجه طيب الريح فقال سلام عليك ورحمة اللَّه يا حبيبة الله أو يا ولية الله قالت وعليك السلام من أنت قَالَ أنا ملك الموت قالت يا ملك الموت أتأذن لي أن أسجد سجدة أناجي فيها ربي فإذا رأيتني قد فعلت ذلك قبضت روحي قَالَ لك ذلك قَالَ فنحت إفطارها ثم وثبت فسجدت فقبض روحها في اجتهادها رضى الله عنها

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.