تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الحث على المجازاة على الصنائع

حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بكر بن الربيع ابن مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى لله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لا يَشْكُرِ النَّاسَ لا يَشْكُرِ اللَّهَ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على من أسدي إليه معروفا أن يشكره بأفضل منه أو مثله لأن الإفضال على المعروف في الشكر لا يقوم مقام ابتدائه وإن قل فمن لم يجد فليثن عَلَيْهِ فإن الثناء عند العدم يقوم مقام الشكر للمعروف وما استغنى أحد عَن شكر أحد

ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن زنجي البغدادي

فلو كان يستغني عَن الشكر ماجدلعزة ملك أو علو مكان
لما أمر اللَّه العباد بشكرهفقال اشكروني أيها الثقلان
للشاعر الزبير بن بكار، اقرأ القصيدة

وأنشدني الكريزي

إذا المرء لم يشكر قليلا أصابهفليس له عند الكثير شكور
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ومن يشكر المخلوق يشكر لربهومن يكفر المخلوق فهو كفور
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي

حافظ على الشكر كي تستجزل القسمامن ضيع الشكر لم يستكمل النعما
الشكر لله كنز لا نفاد لهمن يلزم الشكر لم يكسب به ندما

حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا العقبي قَالَ مر سَعِيد بْن العاص بدار رجل بالمدينة فاستسقى فسقوه ثم مر بعد ذلك بالدار ومناد ينادي عليها فيمن يزيد فقال لمولاه سل لم تباع هذه فرجع إليه فقال على صاحبها دين قَالَ فارجع إلى الدار فرجع فوجد صاحبها جالسا وغريمه معه فقال لم تبيع

دارك قَالَ لهذا علي أربعة آلاف دينار فنزل وتحدث معهما وبعث غلامه فأتاه ببدرة فدفع إلى الغريم أربعة آلاف ودفع الباقي إلى صاحب الدار وركب ومضى

وأنشدني المنتصر بْن بلال

ومن يسد معروفا إليك فكن لهشكورا يكن معروفه غير ضائع
ولا تبخلن بالشكر والقرض فاجزهتكن خير مصنوع إليه وصانع

وأنشدني بعض أهل العلم

فكن شاكرا للمنعمين لفضلهموأفضل عليهم إذ قدرت وأنعم
ومن كان ذا شكر فأهل زيادةوأهل لبذل العرف من كان ينعم

وأنشدني الكريزي

أحق الناس منك بحسن عونلمن سلفت لكم نعم عَلَيْهِ
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وأشكرهم أحقهم جميعابحسن صنيعة منكم إليه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الحر لا يكفر النعمة ولا يتسخط المصيبة بل عند النعم يشكر وعند المصائب يصبر ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع أوشك أن لا يشكر الكثير منه والنعم لا تستجلب زيادتها ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر لله جل وعلا ولمن أسداها إليه

ولقد حدثني أَحْمَد بْن مُحَمَّد القيسي حدثني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم القرشي قَالَ سمعت أبا عبيدة معمر بْن المثنى يقول ماتت لعبيد بْن معمر بنت فقعد في المأتم في مسجده في سكه سبانوش فجاء عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرة معزيا وإذا الأشراف قد أخذوا مواضعهم فنظر إليه رجل قد كان سبق الى مجلسه مع اتلأشراف قد عرفه فقام قائما وجعل يقول له ههنا حتى أخذ بيده فأقعده في مجلسه ثم ذهب فقعد في أخريات الناس فأمر عُبَيْد اللَّه غلاما كان معه أن يتعاهده إلى قيامه فلما قام دعا الرجل فقال أتعرفني قَالَ نعم قَالَ من أنا قَالَ أنت عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرة صاحب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم

قَالَ فما حملك على تركك مجلسك لي قال إجلال لولد أصحاب رَسُول اللَّه ﷺ وما أوجب اللَّه على أمثالي خصوصا من التبجيل فقال له عُبَيْد اللَّه هل لك على أن تصحبنا إلى ضيعة نريد أن نصير إليها قَالَ نعم قَالَ فصحبه الرجل إلى تلك الضيعة في نهر مكحول ضيعة فيها ثلاثمائة جريب نخل وعلى وجه الضيعة قصر بني بآجر وجص وخشب ساج فلما دخل الضيعة أخذ عُبَيْد اللَّه بيد الرجل وجعل يدور به في تلك النخيل فقال للرجل كيف ترى هذه الضيعة قَالَ تالله مَا رأيت نخيلا أحسن منها ولا أكثر ثمرة ولا أسرى ضيعة منها قَالَ قد جعلناها لك بما فيها من الخدم والآلة نبعث إليك بصكها قَالَ فاستطار الرجل فرحا وبكاء وقال انعشتني وانعشت عيالي فقال عُبَيْد اللَّه وكم لك من العيال قَالَ ثلاثة عشر نفسا قَالَ فإني قد جعلت اسم عيالك في اسم عيالي أنفق عليهم مَا عشت فقال له عُبَيْد اللَّه من تكون له مثل هذه الضيعة يحتاج أن يكون منزله في سرة البصرة إذا صرنا إلى منزلنا فاغد علينا نأمر لك بشراء دار تشبه هذه الضيعة ورأس مال وخدم تصلح لدارك تعيش بها إن شاء اللَّه قَالَ فغدا الرجل عَلَيْهِ فأمر له بشراء دار بخمسة آلاف دينار وأعطاه عشرة آلاف دينار ودفع اليه صك الضعية وأمر له بدابة وبغل وسائس وكسوة وصرفه

وأنشدني الأبرش

الشكر يفتح أبوابا مغلقةلله فيها على من رامه نعم
فبادر الشكر واستغلق وثائقهواستدفع اللَّه مَا تجري به النقم

حدثنا أَحْمَد بْن الحسن المدائني بمصر قَالَ سمعت الربيع بْن سليمان يقول أخذ رجل بركاب الشافعي فقال يا ربيع أعطه أربعة دنانير قَالَ فأعطيته إياها

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب

ومن يشكر العرف الصغير فإنهسينمي ويجتر المزيد أصاغره
.. ومن يشكر المعروف يحمد إلههويضعف أضعافا على الحمد شاكره

وأنشدني ابن زنجي البغدادي

وإذا اصطنعت الى أخيكصنيعة فانس الصنيعة
والشكر من كرم الفتىوالكفر من لؤم الطبيعة
والصبر أكرم صاحبفاصحبه إن نزلت فجيعه

حدثنا أَحْمَد بْن قريش بْن بشر بْن عَبْد العزيز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الذهلي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن خليل حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أيوب عَن أَبِي عيسى قال كان إبراهيم ابن أدهم إذا صنع إليه أحد معروفا حرص على أن يكافئه أو يتفضل عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عيسى فلقينى وأنا على حمار وأنا أريد بيت المقدس جائيا من الرملة قَالَ وقد اشترى بأربعة دوانيق تفاحا وسفرجلا وخوخا وفاكهة فقال يا أبا عيسى أحب أن تحمل هذا قَالَ وإذا عجوز يهودية في كوخ لها فقال أحب أن توصل هذا إليها فإنني مررت وأنا ممس فبيتتني عندها فأحب أن أكافئها على ذلك

وأنشدني الكريزي

يد المعروف غنم حيث تسدىتحملها شكور أم كفور
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
كفى شكر الشكور لها جزاءوعند اللَّه مَا كفر الكفور
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني بعض أهل العلم

رهنت يدي للعجز عَن شكر برهوما فوق شكري للشكور مزيد
ولو كان شيء يستطاع استطعتهولكن مالا يستطاع شديد

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على المرء أن يشكر النعمة ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته إن قدر فبالضعف وإلا فبالمثل وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده مع بذل الجزاء له بالشكر وقوله جزاك اللَّه خيرا فمن قال له ذلك عند العدم فكأنه أبلغ في الثناء

ومن الناس من يكفر النعم وكفران النعم يكون من أحد رجلين إما رجل لا معرفة له بأسباب النعم والمجازاة عليها لما لم يركب فيه من التفقد لمراعاة العشرة فإذا كان كذلك وجب الإغضاء عنه وترك المناقشة على فعله والرجل الآخر أن يكون ذا عقل لم يشكر النعمة استخفافا بالمنعم واستحقارا للنعمة وتهاونا في نفسه لهما أو لأحدهما فإذا كان كذلك يجب على العاقل ترك العود إلى فعل مثله والخروج باللائمة على نفسه إذا كان له خبرة بِهِ

وأنشدني علي بْن مُحَمَّد

علامة شكر المرء إعلان حمدهفمن كتم المعروف منهم فما شكر
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «علامة شكر المرء إعلان حمده»
إذا مَا صديقي نال خيرا فخاننيفما الذنب عندي للذي خان أو فجر
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «علامة شكر المرء إعلان حمده»
ولكِنْ إذا أكرمْتُهُ بعدَ كُفْرِهِفإنِّي مَلومٌ حيثُ أُكرِمُ مَنْ كَفَرْ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «علامة شكر المرء إعلان حمده»

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب

إذا أنا أعطيت القليل شكرتموإن أنا أعطيت الكثير فلا شكر
وما لمت نفسي في قضاء حقوقكموقد كان لي فيما اعتذرت به عذر
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه إني لأستحب للمرء أن يلزم الشكر للصنائع والسعي فيها من غير قضائها إذا كان المنعم من ذوي القدر فيه والاهتمام بالصنائع لأن الاهتمام ربما فاق المعروف وزاد على فعل الإحسان إذ المعروف يعمله المرء لنفسه والإحسان يصطنعه إلى الناس وهو غير مهتم به ولا مشفق عليه وربما أفعله الإنسان وهو مكاره والاهتمام لا يكون إلا من فرط عناية وفضل ود فالعاقل يشكر الاهتمام أكثر من شكره للمعروف

أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان

لَأَشكُرَنَّكَ مَعروفاً هَمَمتَ بِهِإِنَّ اِهتِمامَكَ بِالمَعروفِ مَعروفُ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ولا ألومك إن لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المجلوب مصروف

وأنشدني ابن زنجي البغدادي

.. بطر النعمة من ضيعهاومضيع الشكر مستدعي الغير
فاجعل الشكر عليها حارساربما ابتز الفتى النعمى البطر

حدثني عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زكريا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الجشمي حَدَّثَنَا علي بْن مُحَمَّد قَالَ مر عمر بْن هبيرة لما انصرف في طريقه فسمع امرأة من قيس تقول لا والذي ينجي عمر بْن هبيرة فقال يا غلام أعطها مَا معك وأعلمها أني قد نجوت

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.