تجاوز إلى المحتوى

من «عيار الشعر» لابن طباطبا العلوي (ت ٣٢٢هـ)

الأبياتُ المُسْتكرهةُ الْأَلْفَاظ

فأمَّا الأبْيات المُسْتكرهَةُ الألْفاظِ، المُتَفَاوتةُ النَّسْج، القَبِيحَةُ العِبَارةِ الَّتِي يَجِبُ الاحْترَازُ من مِثْلها فكَقَوْلِ الأَعْشَى:

أَفِي الطَّوفِ خِفْتِ عليَّ الرَّدَىوكَمْ من رَدٍ أهْلَهُ لم يَرِمْ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

يُريدُ: لم يَرِمْ أهْلَهُ

وكقَوْلِ الرَّاعي:

فَلمَّا أتاهَا حَبْتَرٌ بسِلاحِهِمَضَىَ غَيرَ مَبْهورٍ ومُنْصُلَهُ انتضَى

يُرِيدُ: وانتضَى مُنْصُلَهُ.

وكقَوْلِ عُروةَ بن أُذَينَة:

واسْقِ العَدُوَّ بِكَأسِهِ وَاعْلَمْ لَهُبالغَيْبِ أنْ قدْ كَانَ قبْلُ سَقاكَهَا
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة
واجْزِ الكَرَامَةَ مَنْ تَرىَ أنْ لَوْ لَهُيَوْماً بَذَلْتَ كَرَامةً لَجزَاكَهَا
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة

فقَوْلُهُ فِي البَيْتِ الأوَّلِ:

( ... ... ... ... ... ... ... وَاعْلَمْ لَهُ ... بالغَيْبِ ... ... ... ... ... .....)

كلامٌ غَثٌّ، و " لَهُ " رَدِيئَة الْموقع، بشِعَةُ المَسْمع.

والبَيْتُ الثَّاني كانَ مَخْرجُهُ أنْ يقولَ:

واجْزِ الكَرَامة من تَرىَ أنْ لَو بَذَلْتَ لَهُ يَوْماً كَرامَةً لجَزَاكَها.

وكقَوْلهِ أيْضاً:

وأعْمَلْتُ المَطِيَّةَ فِي التَّصَابيرَمِيضَ الخُفّ دامِيَةَ الأطلِّ
أقولُ لَهَا: لهَانَ عليَّ فِيمَاأَحِبُّ فَمَا اشتكاؤكِ أنْ تكَلِّي
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة

يُريدُ: أقولُ لَهَا: لهانَ عليَّ فِيمَا أحِبُّ أنْ تَكَلَّي فَمَا اشْتِكاؤك؟

وكقَوْلِ النَّابِغَة:

يُصَاحِبْنَهُمْ حَتَّى يُغِرنَ مُغَارَهُمْمِن الضَّارِيَات بالدِّمَاءِ الدَّوارِب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

يُريدُ: من الضَّارِياتِ الدَّوارِب بالدِّماء.

وإنمَا يَقْبُحُ مثلُ هَذَا إذَا التَبْسَ بِمَا قبلَهُ، لأنَّ الدِّماءَ جَمْعٌ، والدَّوارِب جمعٌ، وَلَو كانَ: من الضَّارِيَات بالدمِ الدَّوارِب لم يَلْتَبِسْ، وإنْ كانَتْ هَذهِ الكلمةُ حاجِزَةً بينَ الْكَلِمَتَيْنِ؛ أَعْني: بَين الضَّارياتِ والدَّوارِب، اللَّتَيْنِ يجِبُ أَنْ تُقْرَنَا مَعاً.

وكقَوْلِ النَّابِغَةِ أَيْضَاً:

يُثْرن الثَّرَى حَتَّى يُبَاشِرْنَ بَرْدَهُإذَا الشَّمْسُ مُجَّتْ رِيقَهَا بالكَلَاكِلِ

يُريدُ: يُثْرَنَ الثَّرى حَتَّى يُبَاشِرْن بَرْدَه بالكَلَاكِلِ إِذا الشَّمْسُ مَجَّتْ رِيقَهَا.

وكقَوْلِ الشَّمَّاخ:

تخامصُ عَن بَرْدِ الوشَاحِ إِذَا مَشَتْتَخَامُصَ حَافي الخَيْل - فِي الأَمْعَز - الوجِي
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «ألا ناديا أظعان ليلى تعرج»

يُرِيدُ: تخامُصَ حَافي الخَيْلِ الوَجِيِّ فِي الأمْعَز.

وكقَوْلِ النَّابِغَة الجَعْدي:

وشَمُولِ قَهْوةٍ باكَرْتُهَافِي التَّباشير - من الصُّبحِ - الأوَلْ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

يُريدُ: فِي التَّبَاشير الأوَل من الصبُّح.

وكقَوْلِ ذِي الرُّمَّة:

كأنّ أَصْوَاتَ من إيغَالِهِنَّ بِنَاأوَاخِر المَيْسِ أصْواتُ الفرارِيج
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا حاديي بنت فضاض أما لكما»

يُريدُ: كأنّ أصواتَ أواخرِ المَيْسِ أصواتُ الفَراريج من إيغَالِهِنَّ بِنَا.

وكقَوْلِهِ أَيْضا:

نَضَا البْردَ عَنْهُ وهَو من ذُو جُنونهِأجَارِيَّ تَسْهاكٍ وَصوْتَ صُلاصِلِ

يُريدُ: وَهُوَ من جُنونِه ذُو أجَارِيَّ.

وكَقْولِ عَمْرو بن قَمِيئَةَ:

لمَّا رأتْ سَاتِيدَ مَا اسْتَعْبَرَتْلله ذَر - اليوْمَ - من لامَهَا

يُرِيدُ: لله درُّ من لامَهَا اليَوْم.

وكَقوْلِ أبي حَيَّةَ النُّمَيْريِّ:

كَمَا خُطَّ الكِتَابُ بكفِّ يَوْمًايَهُودىِّ يُقَارِبُ أَو يُزِيلُ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

يُرِيدُ: كَمَا خُطّ الكتابُ يَوْمًا بكَفِّ يهوديٍّ يقارِبُ أَو يُزيل.

وكقَوْل امرأةٍ من قَيْسٍ:

هُمَا أخَوَا فِي الحَرْبِ مَنْ لَا أخَالَهُإذَا خَافَ يَوْمًا نَبْوةً ودَعاهُمَا
للشاعر عمرة الخثعمية، اقرأ القصيدة

تُرِيدُ: هُمَا أخَوا من لَا أخَالَهُ فِي الحَرْب.

وكقَوْلِ الفَرَزْدَق:

ومَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاّ مُمَلَّكاًأبُو أمَّةِ حَيُّ أبوهُ يُقَارِبُهْ

فهذَا من الكَلامِ الغَثَّ المُسْتكَرَهِ الغَلِق، وكذَلك مَا تَقَدَّمَهُ، فَلَا تَجْعَلَنَّ هَذَا حُجَّةً، ولْتَجُتَنِبْ مَا أشْبَههُ.

وَالَّذِي يُحُتَمل فِيهِ بَعْضُ هَذا إِذا وَرَدَ فِي الشَعْرِ هُوَ مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ الشَّاعرُ عِنْد اقِتِصَاصِ خَبَرٍ أَو حِكَايةِ كَلامٍ إنْ أَزِيلَ عَن جِهَتَهِ لم يَجُزْ، وَلم يَكُنْ صِدْقاً، وَلَا يكون للشاعر مَعَهُ اختيارُ لأنَّ الكلامَ يملكُهُ حيِنَئذٍ فيحتَاجُ إِلَى اتَّباعِهِ والانِقيادِ لَهُ. فأمَّا مَا يُمَكّنُ الشَّاعرُ فِيهِ من تَصْريف القَولِ وتَهذِيبِ الألْفَاظِ واختصارِها وتَسْهيلِ مَخَارِجها فَلَا عذْرَ لَهُ عِنْد الإتْيَانِ بمثلِ مَا وصَفْنَاهُ من هذَه الأبياتِ المُتَقَدَّمَة.

وعَلى الشَّاعرِ إِذا اضْطُرَّ إِلَى اقْتِصَاصِ خَبَرٍ فِي شِعْرٍ دَبَّرهُ تَدْبيراً يَسْلُسُ

لَهُ مَعَهُ القَوْلُ وَيَطَّردُ فِيهِ المَعْنى، فَيَبْني شِعْرَهُ على وَزنٍ يَحْتَمِلُ أَن يُحْشَى بِمَا يحتاجُ إِلَى اقتصاصه بزيادةٍ من الكَلامِ يُخلطُ بِهِ أَو نَقْصٍ يَحْذَفُ مِنْهُ، وتكونُ الزَّيادةُ والنُّقْصانُ يَسِيرينِ غير مُخدجَيْنِ لما يُسْتَعانُ فِيهِ بهما، وَتَكون الألفاظُ المَزِيدةُ غَيرَ خَارجةٍ من جِنْسِ مَا يَقْتَضِيهِ بل تكونُ مؤَيدةً لَهُ وزائدةً فِي رَوْنقهِ وَحُسْنِهِ كَقَوْل الأعْشَى فِيمَا اقتَصَّهُ من خَبرِ السَّموأل فقَال:

كُنْ كالسَّموألِ إِذْ طَافَ الهُمَام بهِفِي جَحْفَلٍ كَزُهَاء الَّليلِ جَرَّارِ
بالأبْلِق الفَرْدِ من تَيماءَ مَنْزِلُهُحِصْنُ حَصِينُ وجارُ غَيْرُ غَدَّارِ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
إذْ سَامَهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ، فَقَالَ لَهُ:اعْرُضْ عَليَّ كَذاَ أَسْمعهُمَا، حَارِ
فَقَالَ: غَدْرُ وثُكْلُ أنتَ بَينهمَافَاخْتَرْ، وَمَا فيهِما حَظُّ لمُخْتَارِ
فَشَكَّ غَيْرَ طَوِيل ثمَّ قَال لَهُ:اقُتَلْ أسِيركَ إنَّي مانِعُ جَارِي
إنَّ لَهُ خَلَفاً إنْ كنتَ قاتِلَهُوإنْ قَتَلْتَ: كَرِيماً غير عُوَّار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
مَالاً كَثيراً وعِرْضاً غير ذِي دَنَسٍوإخوَةً مِثْلهُ لَيسُوا بأشرارِ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
جَرَوْا على أدبٍ مِنَّي فَلَا نَزَقُوَلَا إِذا شَمَّرَتْ حَرْبٌ بأغْمَارِ
وسَوْفَ يُخْلفُهُ إِن كنتَ قاتلهُرَبٌ كَرِيمٌ وبيضٌ ذَات أطهارِ
لَا سِرُّهُنَّ لدَيَّ ضَائِعُ مَذِقُوكاتِمَاتٌ إِذا استُودِعْنَ أَسْراري
فَقَالَ تَقْدِمَةً إْذْ قَامَ يَقْتُلُهُأشْرِفْ سَمَوْأل فانْظُرْ للدَّم الجَاري
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
أأقْتلُ ابْنَكَ صَبْراً أَو تَجِيء بَهاطَوْعاً، فأنْكَرَ هَذَا أيَّ إنكاري
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فشَكَّ أوداجَهُ، والصَّدرُ فِي مَضَضِعَلَيهِ مُنْطَوِياً كاللَّذع بالنَّار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
واخْتَارَ أدْرَاعَهُ أَنْ لَا يُسَبَّ بِهَاوَلَمْ يَكُنْ عَهْدُهُ فِيهَا بِخَتَّارِ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
وقَال: لَا أشْتَري مَالاً بمَكْرُمَةًفاخْتَار مَكْرُمَةَ الدُّنْيَا على العَارِ
والصَّبْرُ مِنْهُ - قَدِيماً - شيمةٌ خُلُقٌوزَنْدُهُ فِي الوَفَاءِ الثَّاقِبُ الوَارِي
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»

فانظُرْ إِلَى اسْتِوَاء هَذَا الْكَلَام، وسهولةِ مخَرجهِ، وتَمامِ مَعَانِيه، وصِدْقِ الحكايةِ فِيهِ، ووقُوعِ كلِّ كلمةٍ مَوْقِعَها الَّذِي أُرِيدَتْ لَهُ؛ من غير حَشْوٍ مُجْتَلبٍ، وَلَا خَلَلٍ شَائنٍ، وتأمَّلْ لُطْفُ الأَعْشَى فِيمَا حَكَاهُ واختصَرهُ فِي قَوْلِه:

أأقْتلُ ابْنَكَ صَبْراً أَو تَجِيء بَها... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

فأضْمَرَ ضَمْرَ الهَاءِ فِي قَوْله:

واخْتَارَ أدْرَاعَهُ أَنْ لَا يُسَبَّ بِهَا... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

فَتَلافَى ذَلِك الخَلَلَ بِهَذَا الشَّرح، فاستَغْنَى سَامِعُ هَذِه الأبْيَاتِ

عَن اسْتِمَاع القِصَّةِ فِيهَا لاشْتِمَالها على الخَبَرِ كُلِّهِ بأوجزَ كلامٍ، وأبلغ حكايةٍ، وأحْسَنِ تأْلِيفٍ وألْطَفِ إيمَاءٍ.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيار الشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.