من «عيار الشعر» لابن طباطبا العلوي (ت ٣٢٢هـ)
ضُروبُ التَّشْبِيهَات
والتَّشْبِيهَاتُ على ضُروبٍ مُخْتلَفَةٍ، فَمِنْهَا: تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صُورةً وهيئةً.
وَمِنْهَا تَشْبِيهُهُ بِهِ مَعْنَى.
ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ حَرَكَة وبطأً وسُرعَةً.
ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ لوناً.
ومنهَا تَشْبيهُهُ بِهِ صَوتا
وَرُبمَا امتزجَتْ هَذِه الْمعَانِي بعضُها ببعضٍ، فَإِذا اتَّفَقَ فِي الشَّيءِ المُشَبَّهِ بالشَّيءِ مَعْنيان أَو ثلاثةُ مَعَانٍ من هَذِه الأوْصَاف قَويَ التَّشْبيهُ وتأكدَ الصَّدْقُ فِيهِ، وحَسُنَ الشِّعرُ بِهِ للشَّواهِد الكَثيرةِ المؤيِّدَةِ لَهُ.
فَأَما تَشْبِيهُ الشيءِ بالشِّيءِ صُورَة وهيئةً فكَقَوْل امْرِئ القَيْس.
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساًلدَىَ وَكْرِهَا العُنَّابُ والحشَفُ البَالي
كقولهِ.
كَأنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَاوأرْحُلِنَا الجزعُ الَّذِي لم يُثَقَّبِ
وكقول عَدِيِّ بن الرِّقَاع.
تُزْجي أغَنَّ كأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِقَلَمٌ أصَابَ مِنَ الدَّواةِ مِدَادَهَا
وأَمَّا تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ لَوْناً وَصُورَة فكقول امْرِئ القَيْس يَصِفُ الدِّرعَ.
وَمَشْدودَةُ السَّبكِ مَوضُونةٌتَضَاءَلُ فِي الطَّيِّ كالمِبْرَدِ
تَفيضُ على المَرْءِ أرْدَانُهَاكَفَيْضِ الأتيِّ على الجَدْجَدِ
وكقَولِ النَّابغة:
تَجْلُو بقَادِمَتَيْ حَمَامِة أيكَةٍبَرَداً أُسِفَّ لِثَاتُهُ بالإثْمِدِ
كالأُقْحُوانِ غَدَاةَ غِبِّ سَمَائهِجَفَّتْ أعَاليهِ وأسْفْلُهُ نَدِي
وكقول حُميد بن ثَوْر.
على أنَّ سَحْقاً من رَمَادٍ كأنَّهُحَصَى إثْمِدٍ بينَ الصَّلاءِ سَحِيقُ
وأمَّا تَشْبْيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صُورَة، ولَوْناً، وحَرَكةً، وهَيْئةً، فكَقْولِ ذِي الُّرمة.
مَا بَالُ عَيْنِكَ منهَا الماءُ يَنْسَكِبُكأنَّهُ من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ
وفراءَ غَرْفِيَّةٍ أثْأى خوارزُهَامُشَلْشِلُ ضَيَّعَتْهُ بَينهَا الكُتَبُ
وكقَوْلِ الشَّمَّاخ.
لِلَيْلَى بالعُنَيزةِ ضَوْءُ نَارٍتَلُوحُ كأنَّهَا الشَّعرَى العَبُورُ
إِذا مَا قلتُ أَخْمَدَها زَهَاهَاسَوادُ اللَّيِل والرَّيحُ الدَّبورُ
وكقَول ابْن [أخي] الشَّمَّاخ؛ وَهُوَ جَبَّارُ بن جَزْء.
(والشَّمْسُ كالمرآةِ فِي كفَّ الأَشَلّْ)
وكَقَوْلِ امْرِىء القَيْس.
جَمَعْتُ رُدَيْنِيّاً كأنَّ سِنَانَهُسَنَا لَهَبٍ لم يَتَّصِلْ بدُخَانِ
وكقَوْلِ لَيْلَى الأخْيَلِيَّة.
قومٌ ربَاطُ الخَيْلِ وَسْطَ بيوتِهِموأسِنَّةُ زَرَقُ يُخَلْنَ نُجُومَا
وَأما تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ حَرَكةً، وهَيئْةً، فكقَوْلِ عَنْترة.
وتَرَى الذَّبابَ بهَا يُغَنَّي وَحْدَهُهَزِجاً كفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرَنَّمِ
غَرِداً يَحُكُّ ذِراعَهُ بِذِرَاعِهِقَدْحَ المُكِبَّ على الزَّنادِ الأجْذَمِ
وكقَوْل الأعْشَى.
غَرَّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقولُ عوارِضُهَاتَمْشِي الهُوَيْنَى كَمَا يَمْشِي الوَجِي الوَحِلُ
كأنَّ مِشُيَتَها من بَيْتِ جَارَتِهَامَرُّ السَّحَابَةِ لَا رَيْثُ وَلَا عَجَلُ
وكقَوْلِ حُمَيد بن ثَوُر. أرِقْتُ لِبَرقٍ أخِرَ اللّيْلِ يَلْمَعُسَرَى دَائِباً فِيهِ يَهُبُّ ويَهُجَعُ
دَنَا اللَّيلُ واسْتَنَّ اسُتِنَاناً رفيقُهُكَمَا اسْتَنَّ فِي الغَابِ الحَرِيقُ المُشَيَّعُ
وكقَوْلِهِ.
خَفَا كاقْتِذاءِ الطَّيرِ واللَّيلُ مُدْبِرُبُجْثمانهِ، والصُّبحُ قد كانَ يَسْطَعُ
وكقَولِ ابْن هَرْمَة. تَرَى ظِلَّهَا عِنْد الرَّواحِ كأنَّهُإِلَى دَفَّها رألُ يَخُبُّ جَنِيبُ
وكقَوْلِ الآخَر.
يُضْحي بهَا الحِرْبَاءُ وَهُوَ كأنَّهُخَصْمُ مُعِدُّ للخُصُومةِ مُوفِقُ
وكقَوْلِ الآخر:
كأنَّ أنوفَ الطيَّرِ فِي عَرَصَاتِهَاخَرَاطِيمُ أقلامٍ تَخُطُّ وتُعْجِمُ
وأمَّا تشبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ؛ معنى لَا صُورَة فكتشبيه الجوادِ الكَثيرِ العَطَاءِ بالبَحْر والحَيَا.
وتَشْبيهِ الشُجَاعِ بالأسَدِ.
وتَشْبيهِ الجَميلِ البَاهِر الحَسَن الرَّواء بالشَّمس والقَمَر.
وتَشْبيهِ المَهِيبِ، الماضِي فِي الأمُور بالسَّيف.
وتَشْبيهِ العَالي الهِمَّةِ بالنَّجم.
وتَشْبيهِ الْحَلِيم الَّركين بالجَبَل.
وتَشْبيهِ الحَيِيَّ بالبكر.
وتَشْبيهِ الَعزيز، الصَّعب المرام، بالمُتَوقَّل فِي الْجبَال، والسَّامي فِي العُلُوَّ.
وتَشْبيهِ الفَائت بالحُلْم، وبأمسِ الذَّاهب.
وتَشْبيهِ أضْدادِ هَذِه المَعَاني بأشْكالها عَلَى هَذَا القِيَاس؛ كاللئيم بالكَلْب والجبان بالصفرد، والطائش بالفراش، والذليل بالنَّقد وبالوتد، والقاسي بالحديد والصَّخر.
وَقد فَازَ قومُ بخلال شُهروا بهَا من الخَيْر والشَّر، وصَارُوا أعلاماً فِيهَا، فَرُبما شُبَّه بهم فيكُونُونَ فِي الْمعَانِي الَّتِي احْتَووا عَلَيْهَا، وذُكِرُوا بشُهْرتها نُجُوماً يُقْتَدى بهم، وأعْلاماً يُشَار إِلَيْهِم؛ كالسَّموأل فِي الْوَفَاء، وحَاتمِ فِي السَّخاءِ والأحْنَفِ فِي الحِلْم، وسَحْبانَ فِي البَلاغة، وقُسًّ فِي الخَطَابة، ولقمانَ فِي الْحِكْمَة، فَهُم فِي التَّشْبِيه يُجْرَونَ مُجْرَى مَا قَدَّمنا ذِكْرَهُ من البَحْر والحَيَا، وَالشَّمْس وَالْقَمَر، وَالسيف، وَيكون التَّشْبِيه بهم مَدْحاً كالتشبيه بهَا.
وَكَذَلِكَ أضْدَادُ هَؤُلَاءِ؛ قومُ يُذَمُّون فِيهَا شُهروا بِهِ يُشَبَّهُ بهم فِي حَال الذَّم كَمَا يُشَبَّه بهؤلاء فِي حَال المَدْح كبَاقِلٍ فِي العِي، وَهَبَنَّقَةَ فِي الحُمُق، والكُسَعِيَّ فِي الندامة، والمَنْزوف ضَرطاً فِي الْجُبْن.
فالشَّاعِرُ الحاذِقُ يَمْزِجُ بَين هَذِه المَعَاني فِي التَّشْبِيهاتِ لِتَكُثُرَ شواهِدُهَا، ويتأكَّدَ حُسْنُها، ويَتَوَقَّى الِاخْتِصَار على ذكر الْمعَانِي الَّتِي يُغِيرُ عَلَيْهَا دونَ الإبدَاعِ فيهَا، والتَّلْطيِفِ لَهَا لئلَاّ يكونَ كالشَّيءِ المُعَادِ المَمْلُول.
فَمَا كانَ من التَّشُبيه صَادقاً قلتَ فِي وَصْفِهِ: كأنَّه، أَو قلتَ: كَكَذَا.
وَمَا قاربَ الصَّدق قلتَ فِيهِ: تَراهُ أوُ تَخَالُه أوْ يَكَادُ. فَمن التَّشبيه الصَّادق قَولُ امرِيء القَيْس.
نَظَرْتُ إِلَيْهَا والنُّجومُ كأنَّهامَصَابيحُ رُهْبانٍ تُشَبُّ لقُفَّالِ
فَشَبَّهَ النجومَ بمصابِيِحِ رُهْبَانٍ لفرطِ ضِيَائها وتَعهُّدِ الرُّهْبَان لمصَابيحِهْم وقيامهِمْ عَلَيْهَا لتُزْهِرَ إِلَى الصُّبْح، فكذَلكَ النُّجومُ زَاهرةُ طُولَ الَّليلِ، وتَتَضاءَلُ للصَّبَاح كتَضَاؤلِ المَصَابيحِ لَهُ.
وَقَالَ:تُشَبُّ لقُفَّالِ
لأنَّ أحْيَاءَ العَرَب بالبَادِيِة إذَا قَفَلَتْ إِلَى مَوَضِعها الَّتِي تأوي إِلَيْهَا من مَصيفٍ إِلَى مَشْتىً، وَمن مَشْتىً إِلَى مَرْبع أَوقِدَتْ لَهَا نِيرانُ على قَدْر كَثرةِ مَنَازِلها وقِلَّتها ليهْتدُوا بهَا، فَشَبَّهَ النُّجومَ ومواقِعها من السَّماء بتَفَرِق تلكِ النِّيران واجتماعِهَا فِي مكانٍ بَعْدَ مكانٍ على حَسَب مَنَازِلَ القُفَّالِ من أحْيَاءِ العَرَبِ، ويُهْتَدَى بالنُّجوم كَمَا تَهْتدي القُفَّالِ بالنِّيران المُوقَدَةِ لَهُم.
وَأما تَشْبيه الشَّيءِ بالشيءِ مَعْنًى لَا صُورَة فكَقَولِ النَّابِغَة.
ألَمْ تَرَ أنَّ الله أعْطَاكَ سُورَةتَرَى كُلَّ مَلكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
فإنَّكَ شَمْسُ والنُّجومُ كَواكِبُإذَا طَلَعَتْ لم يَبْدُ مِنهُنَّ كوكَبُ
وكقَوْلِه أَيْضا:
فإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكيوإنْ خِلْتُ أنّ المُنْتَأى عَنْك واسِعُ
خَطَاطيفُ حُجْنٍ فِي حبالٍ مَتِينَةٍتُمَدُّ بهَا أيْدٍ إِلَيْك نَوازِعُ
وكقولِهِ:
وإنَّكَ غَيْثُ يُنْعِشُ النَّاسَ سَيْبُهُوسَيْفُ أُعِيرَتْهُ المَنِيَّةُ قاطِعُ
وكقولِ الأعْشَى:
كالهُنْدُوانيَّ لَا يُخْزِيكَ مَشْهَدُهُوَسْطَ السُّيوف إِذا مَا تُضْرَبُ البُهَمُ
[وكقَوْلِ المُسَيَّب بن عَلَس].
لَو كنتَ من شَيءٍ سِوَى بَشَرٍكنت المُنِيرَ لِلْيلَةِ البدرِ
ولأنْتَ أجوْد بالعَطاءِ منالرَّيَّان لما جَادَ بالقَطْرِ
ولأنتَ أشجَعُ من أسَامةَ إذْرَأبَ الصَّرِيخُ وَلُجَّ فِي الذُعْرِ
ولأنتَ أحْيَى من مُخَدَّرةٍعَذْرَاءَ تَقْطنُ جَانب الخدْرِ
وَلأنْتَ أبْيَنُ حينَ تَنْطِقُ مِنْلُقْمَانَ لَمَّا عَيَّ بالمَكْر
وكقول النَّابِغَةِ الجَعْديَّ:
فَقَدْ بَلِيتُ وأفْنَانِي الزَّمانُ كَمَايُفْني تَقَلُّبُ أقْطَار الرَّحى القُطُبَا
وكقول الآخر:
وكالسَّيفِ إنْ لايَنْتَهُ لَانَ مَتْنُهُوحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خَشِنَانِ
وكقول الرَّاعي:
فَمَا أمُّ عبد اللهِ إلاّ عَطِيَّةُمن اللهِ أعْطَاهَا امْرَءًا فَهُوَ شَاكِرُ
هيَ الشَّمْسُ وَافَاهَا الهِلالُ، بنوهُمَانجومُ بآفاق السَّماءِ نظائرُ
تُذكَّرها المَعْروفَ وَهِي حَيِيَّةُوذُو اللُّبَّ أَحْيَانًا مَعَ الحِلُم ذاكِرُ
كَمَا استقبلَتْ غيثاً جنوبُ ضَعِيفةُ فأسْبَلَ رَيَّان الغَمامةِ مَاطِرُ
وَأما تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ حَرَكةً، وبُطْاً، وسُرعةً، فكَقْولِ الرَّاعي.
كأنّ يَدَيْهَا بَعْدَمَا انضَمَّ بُدْنُهاوَصَوَّبَ حادٍ بالرَّكابِ يَسُوقُ
يَدَا مَاتِحٍ عَجْلاتَ رخْوٍ ملاطُهُلَهُ بكرةُ تَحْتَ الرَّشَاءِ فَلُوقُ
وكقولِ امريء القَيْس:
كأنّ الحَصَى من خَلْفهاَ وأمَامَهَاإِذا نَجَلَتْهُ رجلُها، حَذْفُ أعسَرا
وكقولِ الآخَر:
(كأنَّما الرَّجْلانِ واليَدَانِ)
(طالَبتَا وتْرٍ وهَارِبَانِ)
كَقَوْل الأخْطَل:
وهُنَّ عندَ اغتِرارِ القَومِ ثَورَتَهايَرْهَقْنَ مُجْتَمَعَ الأعنَاقِ والرُّكَبِ
منهنَّ ثُمَّتُ تَرمي قَذْفُ أرْجُلهَاإهذابَ أيدٍ بهَا يفَرِينَ كالعَذَبِ
كَلَمْعِ أيْدي مَثاكيلٍ مُسَلَّبَةٍيَنْعَيْنَ فِتْيَانَ ضَرسِ الدَّهرِ والخُطُبِ
وكقَوْلِ حُمَيد بن ثَوْر:
من كلَّ يَعُمُلَه يَظَلُّ زِمَامُهَايَسعَى كَمَا هَرَبَ الشُّجَاعُ المُنْفَرُ
وكقولِ الشَّمَّاخ فِي مثله:
وكلَّهُنَّ يُبَاري ثِنْيَ مُطَّرِدٍكحَيَّةِ الطَّوْدِ وَليَّ غَيْرَ مَطْرودِ
وكقولِ امريء القَيْس:
مِكَرًّ مِفَرًّ مُقْبلٍ مُدْبرٍ مَعاًكجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ من عَلِ
وكقولهِ:
أصَاحِ! تَرَى بَرْقاً أُريكَ وَمِيضُهُكَلَمعِ اليَدَينِ فِي حَبِيًّ مُكَلَّلِ
وأمَّا تَشْبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ لَوْناً فكقَوْلِ الأعْشَى:
وسَبِيئةٍ مِمَّا تُعَتَّقُ بَابِلُكَدَمِ الذَّبيحِ سَلبْتُهَا جِرْيَالَهَا
وكقولِ حُميد بن ثَوْر:
والَّليْلُ قد ظَهَرتْ نَحِيزَتُهُوالشَّمْسُ فِي صَفْراءَ كالوَرُسِ
وكقولِ الشَّمَّاخ:
إِذا مَا الَّليْلُ الصُّبْحُ فِيهِأشَقَّ كَمَفْرِقِ الرَّأسِ الدَّهِينِ
وكقولِ عَبيد بن الأبْرَص:
يَا مَنْ لبَرْقٍ أبِيتُ الّليلَ أرْقُبهُفِي عَارِضٍ كَمُضِيء الصُّبْحِ لَمَّاحِ
وكقولِ زُهير:
زَجَرْتُ عَلَيْهَا حُرَّةً أرْحَبِيَّةًوَقدْ صَارَ لونُ الليلِ مثلَ الأرَنْدَجِ
وكقولِ امريء القَيْس:
وليلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهُعَليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلي
وكَقَولِ بِشْر:
كأنَّ سَنَا قَوَانِسِهِمْ ضِرَامُمَرَتْهُ الرَّيحُ فِي أعلىَ يَفَاعِ
وكَقَولِ كَعْب بن زُهَير:
ولَيْلَةِ مُشْتْاقٍ كأنَّ نجومَهَاتَفَرَّقْنَ مِنْهَا فِي طَيَالِسَةٍ خُضْرِ
وكقولِ ابْن هَرْمة:
ولَيلٍ كسِربَالِ الغُرابِ ادَّرَعُتُهُإِلَيْك كَمَا احْتَثَّ اليمامةَ أجُدَلُ
وكقولِ ذِي الرُّمَّةِ:
وَقَدْ لاحَ للسَّارِي الَّذِي كَمَّلَ السُّرَىعَلَى أَخْرَياتِ اللَّيل فَتقُ مُشَهَّرُ
كَلَونِ الحِصَانِ الأنْبطِ البَطنِ قائِماًتَمَايَلَ عَنْهُ الجُلُّ واللَّوْنُ أشْقَرُ
وَكَقَوْلِه:
إلىَ أنْ يَشُقَّ اللَّيلَ وَرْدُ كأنَّهُوَرَاءَ الدُّجَى هَادٍ أغَرَّ جوَادِ
وَأما تشبيهُ الشَّيءِ بالشَّيءِ صَوتا فكَقَولِ الشَّمَّاخ:
أُجُدُ كأنّ صَرِيفَها بسَدِيسهَافِي البيدِ جانحةً صَرِيرُ الأخْطَبِ
وكَقولِ الرَّعي:
كَأَن دَوِيَّ النَّحْلِ تَحتَ ثِيابَهاحَصَادُ السَّفا لاقَى الرَّياحَ الزَّعَازِعَا
وكقولِ الشَّمَّاخِ:
كأنّ نَهِيتَهُنَّ بِكُلَّ فَجًّإِذا ارتَحَلوُا، تأوُّهُ نائِحَاتِ
وكقولهِ:
إِذا أنْبَضَ الرَّامُوُنَ عَنْها تَرَنَّمتْتَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْهَا الجَنَائزُ
وكقولِ الأعشىَ:
تَسمعُ للحَلْي وَسْواساً إِذا انصَرَفَتْكَمَا استَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرِقُ زَجِلُ
وأمَّا الابتدَاءُ بِمَا يُحِسُّ السَّامِعُ بِمَا يَنْقَادُ إليهِ القَولُ فِيهِ قَبلَ اسْتِتْمامِهِ فكقولِ النَّابِغَةِ:
إِذا مَا غَزَوْا بالجَيشِ حَلَّق فَوقَهْمْعَصَائبُ طَيرٍ تَهْتَدِي بعَصَائِبِ
فَقَدَّم فِي هَذَا البَيْتِ مَعْنَى مَا يُحَلَّقُ الطّيرُ من أجْلِهِ ثمَّ أوضَحَهُ بقَولِهِ:
يُصاَحِبنَهُمْ حَتَّى يُغْرنَ مَغَارَهُمْمن الضَّارياتِ بالدماءِ الدَّواربِ
تَرَاهُنَ خَلْفَ القَومِ زُوراً كأنَهَاجُلوسُ الشُّيوخِ فِي مُسُوكِ الأرَانبِ
جَوَانِحَ قد أيقَنَّ أنَّ قَبيلَهُإِذا مَا التَقَى الجَمَعانِ أولُ غَالِبِ
لهُنَّ عَلَيْهِمْ عَادَةُ قد عَرَفْنَهَاإذَا عَرَّضُوا الخَطَّيَّ [فَوْقَ] الكواثِبِ
وكقولِ الآخر:
لَعَمْرُك مَا النَّاسُ أثْنَوْا عَليَكَوَلَا مَدَحُوكَ وَلَا عَظَّمُوا
ولَو أنهُمْ وَجَدُوا مَسْلكاًإِلَى أنْ يَعِيبُوكَ مَا أحْجَمْوا
فَقَدَّم مَعْنَى مَا سَاقَ إِلَيْهِ الابتَداءَ فَقَالَ فِي إتمامِهِ:
ولكنْ صَبَرْتَ لِماَ ألزَمُوكَوجَدْتَ بِمَا لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُ
فأنْتَ بِفَضْلكَ ألجَأتَهُمْإِلَى أنْ يَقُولوا وأنْ يُعْظِمُوا
وأمَّا التَّعريضُ الَّذِي يَنُوبُ عَن التَّصْريحِ، والاخْتِصارُ الَّذِي يَنُوبُ عَن الإطَالَةِ فكَقَولِ عَمْرو بن مَعْدِ يكرب.
فَلَوْ أنَّ قَوْمي أنْطَقَتنْي رِمَاحُهُمْنَطَقْتُ، ولكنَّ الرَّمَاحَ أجَرَّتِ!
أَي: لَو أنَّ قومِي اعَتَنْوا فِي القِتَالِ وَصَدقُوا المصَاعَ، وطَعَنُوا أعداءهُمْ برماحِهِمْ فأنْطَقَتْني بِمَدْحِهم، وذِكّرِ حُسْنِ بلائهم:
( ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... نَطَقْتُ، ولكنَّ الرَّمَاحَ أجَرَّتِ!)
أَي: شَقَّتْ لساني كَمَا يُجَرُّ لسانُ الفَصِيِل؛ يُرِيدُ: أسكَتَتْني.
وكَقَولِ الآخرِ فِي مَعْناهُ:
بَنِي عَمَّنا لَا تَذْكروا الشَّعْرَ بَعْدَمَادَفَنْتُمْ بِصَحْراءِ الغُمَيرِ القَوَافِيَا
وكقولِ قيس بن خويلد فِي ضِدَّه:
وَكُنَّا أنَاساً أنطَقَتَنا سُيُوفَنالنا فِي لقَاءِ القَوم حدُّ وكوكبُ
وكَقَولِ الآخر:
لعَمْري لنِعْمَ الحَيُّ حَيُّ بني كَعْبِإِذا نَزَلَ الخَلْخَالُ منزلةَ القُلْبِ
يَقُول: إِذا ريعَتْ صاحبةُ الخَلخَال فأبدَتْ سَاقَهَا، وشَمَّرَتْ للهَرَب - والقٌ لبُ: السَّوارُ وتُبديه المرأةُ وتخفي الخَلْخَالَ إِذا لَبِسَتْهُمَا.
وَقد قيلَ فِي مَعْنَى هَذَا البَيْتِ أَيْضا أنَّ الْمَرْأَة إِذا رِيعَتْ لَبِسَتِ الخَلْخَالَ فِي يَدِهَا دَهَشاً.
وكقَولِ حُمَيْد بن ثَوْر:
أرَى بَصَري قَدْ رَابَني بعد صِحَّةٍوحَسُبكَ دَاء أَن تَصِحَّ وتَسْلَمَا
وكقولِ لَبِيد:
تَمنَّى ابْنَتَايَ أنْ يَعِيشَ أبوهُمَاوهَل أَنا إلَاّ من رَبِيعَةَ أوْ مُضَرْ؟ !
وَمِنَ الاخْتصَار قَولُ لَبيد:
وَبَنو الدَيانِ أعدَاءُ لِلَاوعَلَى ألْسُنِهمْ ذَلَّتْ نَعَمْ
زيَّنَتْ أحسَابُهُمْ أنسَابَهُمْوكذاكَ الحِلمُ زَيْنُ للكَرَمْ
ومنَ المَدْحِ البَليِغِ المُوجَز قَوْلُ امريء القَيْسِ:
وتَعْرفُ فِيهِ مِنَ أبيهِ شَمَائلاًومِنْ خَالِهِ ومِنَ يَزِيدَ ومنْ حُجُرْ
سَمَاحةَ ذَا، وَبِرَّ ذَا، وَوَفَاء ذَاونَائلَ ذَا؛ إِذا صَحَا وَإِذا سَكِرْ
وكَقَولِ مُحَمَّد بن بَشِير الخَارِجَّي:
يَا أيُهَا المُتَمنَّي أَن تَكونَ فَتىًمِثلَ ابنِ زَيدٍ لَقَدْ خَلَّى لكَ السُّبُلا
أعْدُدْ نَظَائِرَ أخلاقٍ عُدِدْنَ لَهُهَلْ سَبَّ من أحدٍ أَو سُبَّ أَو بَخِلَا
وكقولِ الآخر:
عَلَّم الغيثَ النَّدى حَتَّى إِذامَا حَكَاهُ عَلَّمَ البأسَ الأسَد
فَلَهُ الغَيْثُ مُقِرُّ بالنَّدَىوَله اللَّيثُ مُقِرُّ بالجَلَدْ
وكقولِ الآخر:
يَا مَن يؤمَّل أنْ تكونَ خِصَالُهُكخِصَالِ عبد الله: أنصِتْ واسْمَعِ
فَلَا نَصَحْتُكَ فِي المَشُورةِ وَالَّذِيحَجَّ الحَجيجُ إِلَيْهِ فاقْبَلْ أودَعِ
اصدُقْ وعِفَّ وبرَّوا صْبِر واحتَمِلْواحلمْ وكُفَّ ودَارِ واسْمحْ واشْجَعِ
وكقولِ الآخر:
شَبَهُ الغَيثِ فِيهِ والليثِ والبَدْرِفَسَمْحُ ومِحْرَبُ وجَميِلُ
فهذهِ أمثلةُ لأنواعِ التَّشْبيهاتِ الَّتِي وَعَدْناَ شرحَهَا، [و] فِي كتاب " تَهذيبِ الطَّبْعِ " مَا يَسُدُّ الخَلَلَ الَّذِي فِيهَا وَيَأْتِي علىَ مَا أغْفَلْنا وَصْفَهُ، والاستِشهادَ بِهِ مِنْ هَذَا الفَنَّ إنْ شَاءَ اللهُ تَعالى.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع