تجاوز إلى المحتوى

من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)

نعت النسيب

أقول: إن كثيراً من الناس يحتاج إلى أن يعلم أولاً ما النسيب، ونحنن نحده فنقول: إن النسيب ذكر الشاعر خلق النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى به معهن.

وقد يذهب على قوم أيضاً موضع الفرق ما بين النسيب والغزل، والفرق بينهما أن الغزل هو المعنى الذي إذا اعتقده الإنسان في الصبوة إلى النساء نسب بهن من أجله، فكأن النسيب ذكر الغزل، والغزل المعنى نفسه، والغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودات النساء، ويقال في الإنسان: إنه غزل، إذا كان متشكلاً بالصورة التي تليق بالنساء، وتجانس موافقاتهن لحاجته

إلى الوجه الذي يجذبهن إلى أن يملن إليه، والذي يميلهن إليه هو الشمائل الخلوة، والمعاطف الظريفة، والحركات اللطيفة، والكلام المستعذب، والمزاح المستغرب، ويقال لمن يتعاطى هذا المذهب من الرجال والنساء: متشاج، وإنما هو متفاعل من الشجا، أي متشبه بمن قد شجاه الحب.

وإذ قد بان أن الذي قلناه على ما قلنا، فيجب أن يكون النسيب الذي يتم به الغرض هو ما كثرت فيه الأدلة على التهالك في الصبابة، وتظاهرت فيه الشواهد على إفراط الوجد واللوعة، وما كان فيه من التصابي والرقة، أكثر مما يكون فيه من الخشن والجلادة، ومن الخشوع والذلة، أكثر مما يكون فيه من الإباء والعز، وأن يكون جماع الأمر ما ضاد التحفظ والعزيمة، ووافق الانحلال والرخاوة، فإذا كان النسيب كذلك فهو المصاب به الغرض.

وقد يدخل في النسيب التشوق والتذكر لمعاهد الأحبة بالرياح الهابة، والبروق اللامعة، والحمائم الهاتفة، والخيالات الطائفة، وآثار الديار العافية، وأشخاص الأطلال الداثرة.

وجميع ذلك إذا ذكر احتيج أن تكون فيه أدلة على عظيم الحسرة، ومرمض الأسف والمنازعة، ولست أذكر متى سمعت في التشوق بآثار الديار أوجز ولا أجمع ولا أدل على لاعج الشوق ومكمد الوجه من قول محمد بن عبيد السلاماني أحد، بني سلامان بن مفرج من الأزد:

فلم تدعِ الأرواحُ والماءُ والبلَىمن الدار إلا ما يشوقُ ويشغفُ
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «أرسم ديار بالستارين تعرفُ»

ولعمري ان عمرو بن أحمر الباهلي قد أوجز وأبان عن شديد تشوق وعظيم تحسر بقوله:

معارفُ تلوى بالفؤاد وإن تقلْلها بينِي لي حاجةً لم تكلمِ

فأما قوله: إنها لم تكلم، فهو تجاهل الهائم وتدله الواله، فإنه قد يحتاج إلى أن يكون في شعر الوامق التحير وآية التلدد.

وممن شاقته المنازل صخر الخضري، وقد مر على ربع كانت خلته كأس تحله، فقال:

بليتُ كما يبلَى الرداءُ ولا أرَىجناباً ولا أكنافَ ذروةَ تخلقُ
ألوِّى حيازيميِ بهنَّ صبابةًكما يتلوى الحيةُ المتشرقُ

وممن شافه البرق، فأحسن وصف ما يثيره من الشوق: حبيش ابن نطر العامري، حيث يقول ويذكر خفقان قلبه:

أجدَّك ما يبدو لك البرقُ مرَّةمن الدَّهر إلا ماءُ عينيكَ يذرفُ
وقلبك من فرطِ اشتياقٍ كأنهُيَدا لامعٍ أو طائرٌ يتصرفُ

ولرجل من عبس:

إذا الله أسقَى دمنتينِ ببلدةٍمن الأرض سقيَا رحمةٍ فسقاهُما
نزلنَا بهذِي نزلةً ثمَّ نزلةًبهذِي فطابَ المنزلانِ كلاهمَا
فبتُّ أشيمُ البرقَ مرتفِقاً بهيداً عن يدٍ حتَّى ونَى منكباهُما

وقال الشماخ:

رأيتُ سنَا برقٍ فقلتُ لِصاحبيبعيدٌ بفلجٍ ما رأيتُ سحيقُ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «نظرت وسهب من بوانة بيننا»
فباتَ مهماً لي يذكِّرني الهوَىكأنِّي لبرقٍ بالحجازِ صديقُ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «نظرت وسهب من بوانة بيننا»
وباتَ فؤادِي مستخفاً كأنَّهخوافِي عقابٍ بالجناحِ خفوقُ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «نظرت وسهب من بوانة بيننا»

فأما النسيب نفسه فقد تقدمت أوصافنا له.

ومما أختم به القول أن المحسن من الشعراء فيه، هو الذي يصف من أحوال ما يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو دائر أنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون للشاعر فضيلة الشعر.

فمن ذلك قول أبي الصخر الهذلي، فإنه يصف ما أرى أن كل متعلق بمودة يجد مثله وهو:

أما والَّذِي أبكَى وأضحكَ والَّذِيأماتَ وأحيَا والَّذِي أمْرُه الأَمْرُ
للشاعر أبو صخر الهذلي، اقرأ القصيدة
لقد كنتُ آتِيها وفي النَّفْس هجْرُهابَتَاتاً لأخرى الدهرِ ما طلعَ الفجرُ
فما هوَ إلا أن أراها فجاءةًفأبهتُ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وأنسَى الذي قد كنتُ فيهِ هجرتُهاكما قد تنسِّى لبَّ شاربِها الخمرُ

وفي هذه القصيدة أيضاً موضع آخر دال على إفراط المحبة، ومبين عن سجية في اهل الهوى عامة، وهو قوله:

ويمنعنُيِ من بعْض إنكارِ ظلمِهاإذا ظلمتْ يوماً وإن كان لي عذرُ
مخافةُ أني قد علمتُ لئن بَدالي الهجرُ منها ما على هجرها صبرُ
وإني لا أردي إذا النفس أشرفتعلى هجرها ما يبلغن بي الهجر

وأما قول الشاعر:

يودُّ بأن يُمْسِي سقيماً لعلَّهاإذا سمعتْ عنه بشكوَى تراسلهُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن طلل أقوى من الحي ماثله»
ويهتزُّ للمعروفِ في طلبِ العلَىلتحمدَ يوماً عند ليلَى شمائلهُ

فهو من أحسن القول في الغزل، وذلك أن هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول عن أعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم أيسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ليكون سبيلاً إلى أن يشفى بالمراسلة من الوجد، فهو أيسر ما يتعلق به الوامق، وأدنى فوائد العاشق، وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة، حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى، حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة، ووصف الشاعر لذلك هو الذي يستجاد لا اعتقاده، إذ كان الشعر إنما هو قول، فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب بالاعتقاد، لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لأضعاف ما في نفس هذا الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه، وإنما اعتقدوه فقط، لم يدخلوا في باب من يوصف بالشعر.

ومن النسيب قول طريح بن إسماعيل الثقفي:

بان الخليطُ وفرقَ الشملُوعلى التفرقِ ما بدَا الوصلُ
أبكاكَ منهم ما فرحتَ بهولكلِّ مولدِ فرحةٍ ثكلُ

ومن هذه الأبيات:

ممسودةٌ خلِقت فعليتهَاخوطٌ ومعقدُ مرطهَا عبلُ
تضعُ البريمَ فيستديرُ علىفعمٍ ألفَّ كأنَّه رملُ
يسجَى إذا ما قلتُ أخفضهُويمورُ منكشطاً إذا يعلُو
وقيامهَا حسنٌ وضحكتهَاعند العجيبِ تبسمٌ رتلُ
وغَلا بها عظمٌ فألحقهَابنسائهَا ولداتَها بسلُ

ولأبي صخر الهذلي في التصابي والخلاعة والإصرار على التعلق بمودات النساء:

أراد الشيبُ منِّي ختلَ نفسِيلأنسَى ذكرَ رباتِ الحجالِ
إذا اختصمَ الصبَا والشيبُ عندِيفأفلجتُ الشبابَ فلا أبالِي

فقد أتينا من ذكر نعوت الأغراض التي تنتحيها الشعراء من المعاني، وهي المديح والهجاء وغيرهما، مما عددناه وشرحنا أحواله على ما فيه كفاية لمن له فهم وعنده نظر وفحص.

وهذه المعاني التي ذكرناها من أغراض الشعراء إنما هي أجزاء من جملة المعاني، وتكلمنا به فيها مع ما بيناه من أحوالها مثالاً لغيرها، واعتباراً فيما لم نذكره منها.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من النعوت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.