من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب ترتيب أسنان الإبل وأسمائها
قَالَ الأصمعى: إذا وضعت الناقة فولدها سليل قبل أن يعلم أذكر هُو أم أنثى، فإذا علم، فإن كَانَ ذكراً فهو سقب وأمة مسقب، وإن كانت أنثى فهى حائل وأمها أم حائل، قَالَ الهذلى:
فتلك التى لا يبرح القلب حبهاولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
وهي مؤنث، وقد آنثت، أى جاءت بأنثى، وقد أذكرت فهى مذكر إذا جاءت بذكرٍ، فإن كَانَ من عادتها أن تضع الإناث فهى مئناث، وكذلك مذكار إذا من عادتها أن تضع الذكور، فإذا قوى ومشى مَعَ أمه فهو راشح والأم مرشح، فإذا حمل فِي سنامه شحما فهو مجذٍ ومكعر ثم هُوَ ربع.
قَالَ الأصمعى: حَدَّثَنِي عيسى بْن عُمَر، قَالَ: سَأَلت جبر حبيب أخا امرأة العجّاج، عَنِ الهبع والربع، فقَالَ: الربع ما نتج فِي أوّل النتاج، والهبع ما نتج فِي آخر النتاج، فإذا مشى الهبع مَعَ الربع أبطره ذرعاً فهبع بعنقه، أى استعان بِهِ، ثم هُوَ حوار فإذا فصل عَنْ أمه، والفصال: الفطام فهو فصيل والجمع فصلان وفصلان، ومنه الحديث لا رضاع بعد فصال فإذا أتى عليه حول فهو ابن مخاض، وإنما سمى ابن مخاض لأن أمه لحقت بالمخاض، وهي الحوامل وإن لم تكن حاملاً، فإذا استكمل السنة الثانية ودخل فِي الثالثة فهو ابن لبون والأنثى بِنْت لبون، وإنما سمى ابن لبون لأن أمه كانت من المخاض فِي السنة الثانية ثم وضعت فِي الثالثة، فصار لها لبن فهى لبون، وهو ابن لبون فلا يزال كذلك حتى يستكمل الثالثة، فإذا دخل فِي الرابعة فهو حينئذ حق والأنثى حقة، وإنما قِيلَ لها حقة، لأنها قد استحقت أن يحمل عليها وتركب، فإذا استكمل الرابعة ودخل فِي الخامسة فهو جذع والأنثى جذعة، فإذا دخل فِي السادسة فهو ثنى والأنثى ثنية، فإذا دخل فِي السابعة فهو رباعٍ والأنثى رباعية، فإذا دخل فِي الثامنة فهو سديس وسدس والأنثى سديسة، فإذا دخل فِي التاسعة وبزل نابه فهو بازل، يُقَال: بزل نابه يبزل بزولا، وشقأ نابه يشقأ شقوءاً وشقئا وشقى أيضاً، وشق يشق شقوقا، وفطر
يفطر فطوراً، وبزغ وصبأ وعرد يعرد عرودا، فإذا دخل فِي العاشرة فهو مخلف، ثم لَيْسَ لَهُ اسم بعد الإخلاف.
ولكن يُقَال: بازل عامٍ وبازل عامين، ومخلف عامٍ ومخلف عامين.
وقضقض، أى حطم كما يقضقض الأسد الفريسة وهو أن يحطمها وينفضها فتسمع لعظامها صوتاً.
والأسد القضقاض: الحطام قَالَ رؤبة: كم جاوزت من حيةٍ نضناض وأسدٍ فِي غيله قضقاض ليثٍ عَلَى أقرانه رباض يلقى ذراعى كلكلٍ عرباض والعرباض: الثقيل العظيم، ودسر: دفع، ومنه قول ابن عَبَّاس ﵄ فِي العنبر: إنما هُوَ شىء دسره البحر، أى لا زكاة فِيهِ.
قَالَ: وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد ﵀ قول الشاعر:
فأصبحت من سلمى كذى الداء لم يجدطبيباً يداوى ما بِهِ فتطببا
فلما اشتفى مما بِهِ عل طبهعَلَى نفسه من طول ما كَانَ جربا
يَقُولُ: لما لم يجد اليها سبيلا داوى نفسه بالهجران، فلما رَأَى ذَلِكَ قد نفعه عل الهجران أى فعله ثانيةً
وَحَدَّثَنَا الأخفش، قَالَ: أنبأنى أَبُو الفياض بْن أَبِي شراعة، عَنْ أَبِي شراعة، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بْن بشير الْبَصْرِيّ، قَالَ: علق أَبِي جارية لبعض الهاشميين فبعثت إلَيْهِ أمي تعاتبه، فكتب إليها:
لا تتبعن لوعةً إثرى ولا هلعاولا تقاسن بعدي الهم والجزعا
بل ائتسي تجدى إن ائتسيت أسىبمثل ما قد فجعت اليوم قد فجعا
ما تصنعين بعين عنك طامحةٍإِلَى سواك وقلبٍ عنك ذاك قد نزعا
إن قلت قد كنت فِي ود وتكرمةفقد صدقت ولكن ذاك قد منعا
وأي شىء من الدنيا سمعت بهإلا إذا صار فِي غايته انقطعا
لم تبق عينا حسين عند لحظهمالغيرها فِي فؤادى بعدها طمعا
ومن يطيق مذك عند صبوتهومن يقوم لمستور إذا خلعا
وأنشدنا الأخفش، قَالَ: قرأت عَلَى أَبِي الْعَبَّاس الأحول الأعرابى:
أيا منشر الموتى أقدنى من التىبها نهلت نفسى سقاماً وعلت
لقد بخلت حتى لو أنى سألتهاقذى العين من ضاحى التراب لضنت
فما أم بَوٍّ هالك بتنوفةٍإذا ذكرته آخر الليل حنت
بأكثر منى لوعةً غير أننىأطامن أحشائى عَلَى ما أجنت
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀:
أبت الروادف والثدى لقمصهامس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مَعَ العشى تناوحتنبهن حاسدةً وهجن غيورا
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة الأزدى المعروف بنفطويه، وأنشدنا الأخفش، أيضا قَالَ: أنشدنا أَبُو الْعَبَّاس أحمد بْن يحيى ثعلب النحوى:
فلم أر هالكاً كبنى صريمٍتلفهم التهائم والنجود
أجل جلالةً وأعز فقداًوأقضى للأمور وهم قعود
وأكثر ناشئاً مخراق حربٍيعين عَلَى السيادة أو يسود
وأنشدنا إِبْرَاهِيم أيضاً، قَالَ: أنشدنا أحمد بْن يحيى:
وكنت مجاوراً لبنى سَعِيدفأفقدنيهم ريب الزمان
فلما أن فقدت بنى سَعِيدفقدت الود إلا باللسان
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أَخْبَرَنِي عمى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابن الكلبى، قَالَ: وفد علبة بْن مسهر الحارثى، والمنتشر أحد فوارس الأرباع الذين يَقُولُ لهم الأجدع الهمدانى:
وسألتنى بركائبى ورحالهاونسيت قتل فوارس الأرباع
إلى ذى فائش الملك الحميرى، وكان ذو فائش يحب اصطناع سادات العرب، ويقرب مجالسهم ويقضى حوائجهم، وكان علبة شاعراً حدثاً ظريفاً فقَالَ لَهُ الملك: يا علبة، ألا تحدثني عَنْ أبيك
وأعمامك وتصف لى أحوالهم؟ فقَالَ: بلى أيها الملك، وهم أربعة: زياد، ومالك، وعمرو، ومسهر.
فأما زياد، فما استل سيفه مذ ملكت يده قائمة إلا أغمده فِي جثمان بطل، أو شوامت جمل، وكان إذا حملق النجيد، وصلصل الحديد، وبلغت النفس الوريد، اعتصمت بحقويه الأبطال، اعتصام الوعول بذرى القلال، فذاد عَنْهُم الأبطال، ذياد القروم عَنِ الأشوال.
وأما مالك فكان عصمة الهوالك، إذا شبهت الإعجاز بالحوارك، يفرى الرعيل فرى الأديم بالإزميل، ويخبط البهم خبط الذئب نقاد الغنم.
وأما عمرو، فكان إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وتفادت الكماه، خاض ظلام العجاج، أطفا نار الهياج، وألوى بالأعراج، وأردف كل طفلة مغناج، ذات بدن رجراج، ثم قَالَ لأصحابه: عليكم النهاب، والأموال الرغاب، عطاء لا ضنينٍ شكس، ولا حقلدٍ عكس.
وأما مسهر، فكان الذعاف الممقر، والليث المخدر، يحيى الحرب ويسعر، ويبيح النهب فيكثر، ولا يحتجن ولا يستأثر، فقَالَ لَهُ الملك: لله أبوك مثلك فليصف أسرته
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع