من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب خطبة المأمون الحارثي فِي نادي قومه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عثمان، عَنِ التوزي، عَنْ أبي عبيدة، قَالَ: قعد المأمون الحارثي فِي نادي قومه فنظر إِلَى السماء والنجوم ثم أفكر طويلاً ثم قَالَ: أرعوني أسماعكم، وأصغوا إِلَى قلوبهم، يبلغ الوعظ منكم حيث أريد، طمح بالأهواء الأشر، وران عَلَى قلوب الكدر، وطخطخ الجهل النظر، إن فيما نرى لمعتبراً لمن اعتبر، أرضٌ موضوعة، وسماءٌ مرفوعة، وشمس تطلع وتغرب، ونجوم تسري فتعزب، وقمرٌ تطلعه النحور، وتمحقه أدبار الشهور، وعاجزٌ مثرٍ، وحولٌ مكدٍ، وشابٌ مختضر، ويفن قد غبر، وراحلون لا يؤوبون، وموقوفون لا يفرطون، ومطرٌ يرسل بقدر، فيحيي البشر، ويورق الشجر، ويطلع الثمر، وينبت الزهر، وماء يتفجر من الصخر الأير، فيصدع المدر عَنْ أفنان الخضر، فيحيي الأنام، ويشبع السوام، وينمي الأنعام، إن فِي ذلك لأوضح الدلائل عَلَى المدبر المقدر، البارئ المصور.
يأيها العقول النافرة، والقلوب النائرة، أنّى تؤفكون، وعن أي سبيل تعمهون، وفي أي حيرة تهيمون، وإلى أي غاية توفضون، لو كشفت الأغطية عَنِ القلوب، وتجلت الغشاوة عَنِ العيون، لصرح الشك عَنِ اليقين، وأفاق من نشوة الجهالة، من استولت عليه الضلالة: قوله طمح: ارتفع وعلا.
وران قَالَ عبدة بن الطبيب:
أوردته القوم قد ران النعاس بهمفقلت إذ نهلوا من جَمّه قيلوا
ران بهم: غلب، قَالَ الله تعالى: (كلا بل ران عَلَى قلوبهم).
وطخطخ: أظلم.
والمختضر: الذي يموت حدثاً، وهو مأخوذ من الخضرة، كأنه حسد أخضر.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: كان شاب من العرب يلقى شيخاً منهم فيقول: استحصدت يا عماه! فيقول له الشيخ: يا بن أخي وتختضرون، فمات الشاب قبل الشيخ بمدة طويلة ويفرطون: يقدمون.
وقَالَ أَبُو عبيدة: قَالَ الأموي: الحجر الأيرّ عَلَى مثال الأصم: الصلب.
وتوفضون: تسرعون، يُقَال: أوفض يوفض إيفاضاً إذا أسرع، قَالَ الله جل وعز: (كأنهم إِلَى نصبٍ يوفضون).
فأما يفيضون فيدفعون قَالَ الأصمعي: يُقَال أفاض من عرفة إِلَى منىً: أي دفع.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع