من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
قصيدة السموءل ابن عادياء
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ للسموءل بن عادياء اليهودي:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضهفكل رداء يرتديه جميل
إذا المرء لم يحمل عَلَى النفس ضيمهافليس إِلَى حسن الثناء سبيل
تعيرنا أنا قليلٌ عديدنافقلت لها إن الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلناشبابٌ تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنا قليلٌ وجارناعزيزٌ وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيرهمنيعٌ يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما بهإلى النجم فرعٌ لا يرام طويل
وإنا لقومٌ ما نرى القتل سبّةإذا ما رأته عامرٌ وسلول
يقرب حبّ الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفهولا طل منا حيث كان قتيل
وهذا مثل قول عمرو بن شأس:
لسنا نموت عَلَى مضاجعنابالليل بل أدواؤنا القتل
تسيل عَلَى حد الظبات نفوسناوليست عَلَى غير السيوف تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرناإناث أطابت حملنا وفحول
علونا إِلَى خير الظهور وحَطَّنالوقت إِلَى خبر البطون نزول
فنحن كماء المزن ما فِي نصابناكهام ولا فينا يعد بخيل
وننكر إن شئنا عَلَى الناس قولهمولا ينكرون القول حين نقول
اذا سيد منا خلا قام سيدقؤول لما قَالَ الكرام فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارقولا ذمنا فِي النازلين نزيل
وأيامنا مشهورة فِي عدونالها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا فِي كل غرب ومشرقبها من قراع الدارعين فلول
معودة ألا تسل نصولهافتغمد حتى يستباح قبيل
سلى إن جهلت الناس عنا وعنهموليس سواء عالم جهول
فأن بنى الديان قطب لقومهمتدور رحاهم حولهم وتجول
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، للفرزدق:
يفلقن هامن لم تنله سيوفنابأسيافنا هام الملوك القماقم
ثم قَالَ أَبُو العباس: ها تنبيه، والتقدير يفلقن بأسيافنا هام الملوك القماقم، ثم قَالَ: ها للتنبيه، ثم قَالَ مستفهماً: من لم تنله سيوفنا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وسمعت شيخاً منذ حين يعيب هذا الجواب ويقول: يفلقن هاماً جمع هامة، وهام الملوك مردود عَلَى هاماً، كما قَالَ جل ثناؤه (إِلَى صراط مستقيم صراط الله) فاحتججت عليه بقوله لم تنله، وقلت: له لو أراد الهام لقَالَ: لم تنلها لأن الهام مؤنثة لم يؤثر عَنِ العرب فيها تذكير، ولم يقل أحد منهم: الهام فقلته، كما قالوا: النخل قطعته، والتذكير والتأنيث لا يعمل قياساً إنما يبنى فيه عَلَى السماع واتباع الأثر
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي، لمطيع بن إياس الكوفي يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
وينادونه وقد صم عنهمثم قالوا وللنساء نحيب
ما الذي غال أن تحير جواباًأيها المصقع الخطيب الأديب
فلئن كنت لا تحير جوابافبما قد ترى وأنت خطيب
فِي مقَالَ وما وعظت بشىءمثل وعظ بالصمت اذ لا تجيب
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي أشعار هذيل، ولم أر أحداً يقوم بأشعار هذيل غيره، لأبي خراش الهذلي:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجاخراش وبعض الشر أهون من بعض
فوالله لا أنسى قتيلاً رزئتهبجانب قوسي ما مشيت عَلَى الأرض
بلى إنها تعفو الكلوم وإنمانوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
ولم أدر من ألقى عليه رداءهخلا أنه قد سل عَنْ ماجد محض
ولم يك مثلوج الفؤاد مهبجاُأضاع الشباب فِي الربيلة والخفض
ولكنه قد لوحته مخامصٌعَلَى أنه ذو مرة صادق النهض
كأنهم يشبثون بطائرٍ خفيفالمشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر قرب الليل فهو مُهابذيحث الجناح بالتبسط والقبض
المثلوج: البليد، ومثله قول آخر: ولكن قلباً بين جنبيك بارد والمهبج: المنتفخ، ويروى: مهبلاً، وهو الثقيل الجافي.
والربيلة: الخفض والدعة، ويروى: الربالة، وهو كثرة اللحم لا اللحم نفسه.
والمهابذ: المجاهد فِي العدو والسير، ويقَالَ: أهذب وأهبذ إذاً اجتهد فِي الإسراع.
وقرأت عليه لأبي عطاء السندي فِي ابن هبيرة:
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطعليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققتجيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدود
فإن تمس مهجور الفناء فربّماأقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد عَلَى متعهدبلى كل من تحت التراب بعيد
وأملى علينا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري هذه القصيدة لجميل قَالَ: وقرأتها عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد فِي شعر جميل، وفي الروايتين آختلاف فِي تقديم الاْبيات وتاْخيرها، وفي اْلفاظ بعض البيوت:
ألا ليت أيام الصّفاء تعودودهراً تولّى يا بثين جديد
فنغنى كما كنّا نكون وأنتمصديقٌ وإذ ما تبذلين زهيد
وما أنس ملأ شياء لا أنس قولهاوقد قربت بصري أمصر تريد
خليلي ما أخفي من الوجد ظاهرفدمعي بما أخفي الغداة شهيد
ألا قد أرى والله أن ربّ عبرةٍاذا الدار شطّت بيننا سترود
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتليمن الحب قَالَت ثابتٌ ويزيد
وإن قلت ردي بعض عقلي أعش بهمع الناس قَالَت ذاك منك بعيد
فلا أنا مردودٌ بما جئت طالباًولا حبها فيما يبيد يبيد
جزتك الجوازي يا بثين ملامةًإذا ما خليلٌ راح وهو حميد
وقلت لها بيني وبينك فاعلميمن الله ميثاقٌ لنا وعهود
وقد كان حُبيّكم طريفاً وتالداًوما الحب إلا طارفٌ وتليد
وإن عروض الوصل بيني وبينهاوإن سهّلته بالمني لكئود
فأفنيت عيشي بانتظاري نولهاوأبلت بذاك الدهر وهو جديد
فليت شاة الناس بيني وبينهاتذوف لهم سمّاً طماطم سود
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: أنشدنا أحمد بن عبيد، لامرأة من الأعراب
لعمرك ما الرزية فقد مالولا شاةٌ تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد قرمٍيموت بموته بشر كثير
وأنشدنيهما بعض أصحابنا، وقَالَ فِي البيت الأول: هلك مال، وقَالَ فِي الثاني: هلك ميت، وخلق كثير.
وأنشدني بعض أصحابنا لعلي بن العباس الرومي:
خير ما استعصمت به الكفعضب ذكرٌ حده أنيث المهز
ما تأملته بعينيك إلا أرعشتصفحتاه من غير هز
مثله أفزع الشجاع إِلَى الدرعفغالي بها عَلَى كل بز
ما أبالي أصممت شفرتاهفِي محزٍّ أم جارتا عَنْ محزّ
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع