تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

حديث الخيار بن أوفى النهدي مع معاوية

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا العكلي، عَنْ أبي خالد، عَنِ الهيثم بن عدي، قَالَ: دخل الخيار بن أوفى النَّهدي عَلَى معاوية فقَالَ له: يا خيار، كيف تجدك وما صنع بك الدهر؟ فقَالَ: يا أمير المؤمنين، صدع الدهر قناتي، وأثكلني لداتي، وأوهى عمادي، وشيب سوادي، وأسرع فِي تلادي، ولقد عشت زمناً أُصبي الكعاب، وأسر الأصحاب، وأُجيد الضّراب، فبان ذلك عني، ودنا الموت مني، وأنشأ يقول:

غبرت زماناً يرهب القرن جانبيكأنّي شتيمٌ باسل القلب خادر
يخاف عدوي صولتي ويهابنيويكرمني قرني وجاري المجاور
وتصبي الكعاب لمتى وشمائليكأني غصنٌ ناعم النبت ناضر
فبان شبابي واعترتني رثيةٌكأني قناةٌ أطّرتها المآطر
أدبُ إذا رُمت القيام كأننيلدى المشي قوم قيده متقاصر
وقصر الفتى شيبٌ وموتٌ كلاهماله سائق يسعى بذاك وناظر
وكيف يلذّ العيش من ليس زائلاًرهين أمورٍ ليس فيها مصادر

فقَالَ معاوية: أحسنت القول، واعلم أن لها مصادر، فنسأل الله أن يجعلنا من الصادرين بخير، فقد أوردنا أنفسنا موارد نرغب إِلَى الله أن يصدرنا عنها وهو راضٍ

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قدم علينا البصرة رجل من أهل البادية شيخ كبير، فقصدته فوجدته يخضب لحيته، فقَالَ: ما حاجتك؟ فقلت: بلغني ما خصك

الله به فجئتك أقتبس من علمك، فقَالَ: أتيتني وأنا أخضب وإن الخضاب لمن علامات الكبر، وطال والله ما غدوت عَلَى صيد الوحوش، ومشيت أمام الجيوش، واختلت بالرّداء، وهؤت بالنساء، وقريت الضيف، وأرويت السيف، وشربت الراح، ونادمت الجحجاح، فاليوم قد حناني الكبر وضعف مني البصر، وجاء بعد الصفو الكدر، ثم قبض عَلَى لحيته وأنشأ يقول: شيبٌ تغيبه كيما تغرّبه كبيعك الثّوب مطوياّ عَلَى حرق قد كنت كالغصن ترتاح الرياح له فصرت عوداً بلا ماء ولا ورق صبر عَلَى الدهر إن الدهر ذو غيرٍ وأهله منه بين الصفو والرنق قَالَ أَبُو زيد، يُقَال: هؤت بالرجل خيرًا أهوء به هوءا إذا أزننته به، وإنه لذو هوءة إذا كان ذا رأي ماضياً، قَالَ: العجاج: لا عاجز الهوء ولا جعد القدم وقَالَ أَبُو عمرو: الهوء: الهّمة، وقد هاء يهوء، وفلان بعيد الهوء أي بعيد الهمة.

وأنشدني أَبُو يعقوب إسحاق بن الجنيد ورّاق أَبِي بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أنشدنا أحمد بن عبيد، قَالَ: أنشدني أَبُو العيناء: ما فِي يديَّ من الصبا إلا الصّبابة والأسف جاء الشباب فما أقام ولا ألم ولا وقف كان الشباب كزائر ملَّ الزيارة فانصرف

وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى قَالَ: أنشدني أبي: لا يرعك المشيب يا بنة عبد الله فالشّيب حلّة ووقار إنما تحسن الرياض إذا ما ضحكت فِي خلالها الأنوار

وأنشدنا عبد الله بن جعفر النحوى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس محمد بن يزيد، قَالَ: أنشدني مسعود بن بشر المازني

رأيت أبا الوليد غداة جمع به شيبٌ وما فقد الشبابا ولكن تحت ذاك الشّيب حزمٌ إذا ما قَالَ أمرض أو أصابا قَالَ أَبُو العباس: معنى قوله أمرض أي قارب الصواب، ومنه إنه ليمرّض فِي القول إذا لم يصرح.

وحَدَّثَنَا أَبُو محمد النحوي، قَالَ: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد، يقول: بلغني عَنْ عَلَى، رضوان الله عليه: قُرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان، والفرصة تمر مرّ السحاب، والحكمة ضالّة المؤمن، فخذ ضالتك حيثما وجدتها

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.