من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
آخر خطبة خطبها معاوية ﵁
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، عَنِ الْعُتْبِيِّ، قَالَ: كَانَ آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ، ﵀، أَنْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي مِنْ زَرْعٍ قَدِ اسْتَحْصَدَ، وَقَدْ طَالَتْ عَلَيْكُمْ إِمْرَتِي حَتَّى مَلِلْتُكُمْ وَمَلِلْتُمُونِي، وَتَمَنَّيْتُ فِرَاقَكُمْ وَتَمَنَّيْتُمْ فِرَاقِي، وَإِنَّهُ لا يَأْتِيكُمْ بَعْدِي إِلا مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي، كَمَا لَمْ يَأْتِكُمْ قَبْلِي إِلا مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنِّي، وَإِنَّهُ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ لِقَاءَكَ فَأَحْبِبْ لِقَائِي، ثُمَّ نَزَلَ فَمَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى مَاتَ»
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: حَدَّثَنَا العتبيُّ، قَالَ: مرض معاوية، ﵀، فأرجف به مصقلة بن هبيرة فحمله زيادٌ إِلَى معاوية وكتب إليه، إنّ مصقلة بن هبيرة يجتمع إليه مراقٌ من أهل العراق يرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إِلَى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه، فوصل مصقلة ومعاوية قد برأ، فلما دخل عليه أخذ بيده وقَالَ: يا مصقلة:
أبقى الحوادث من خليلكمثل جندلة المراجم
قد رامني الأعداء قبلكفامتنعت عَنِ المظالم
صلباً إذا خار الرجالأبل ممتنع الشكائم
ثم جذبه فسقط، فقَالَ مصقلة: يا أمير المؤمنين، قد أبقى الله منك بطشاً وحلماً راجحاً، وكلأً ومرعىً لوليّك، وسمّاً ناقعاً لعدوّك، ولقد كانت الجاهلية فكان أبوك سيّداً، وأصبح المسلمون اليوم وأنت أميرهم، فوصله معاوية وردّه، فسئل عَنْ معاوية، فقَالَ: زعمتم أنه كبر وضعف، والله لقد جبذني جبذةً كاد يكسر منّى عضواً، وغمز يدي غمزةً كاد يحطمها!
أنشدنا أَبُو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى، عَنِ ابن الأعرابي لكعب الغنوىّ، يقول لابنه عَلَى:
أعلىّ إن بكرت تجاوب هامتيهاماً بأغبر نازح الأركان
وعلمت ما أنا صانعٌ ثم انتهىعمري وذلك غاية الفتيان
وإذا رأيت المرء يشعب أمرهشعب العصا ويلجّ فِي العصيان
فاعمد لما تعنوا فما لك بالذّيلا تستطيع من الأمور يدان
وإذا سئلت الخير فاعلم أنهنعمى تخصّ بها من الرّحمن
شيمٌ تعلّق بالرّجال وإنماشيم الرجال كهيئة الألوان
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع