تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

وصية رجل أعمى من الأزد لشاب يقوده وشرحها

قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنْ هشام بن محمد بن السائب، عَنْ أبيه، قَالَ: رأيت ببيشة رجلاً من أزد السّراة أعمى يقوده شابٌ جميلٌ وهو يقول له: يا سمىّ، لا يغرّنّك أن فسّح الشّباب خطوك، وخلّى سربك، وأرفه وردك، فكأنك بالكبر قد أرب ظوفك، وأثقل أوقك، وأوهن طوقك، وأتعب سوقك، فهدجت بعد الهملجة، ودججت بعد الدّعلجة، فخذ من أيام التّرفيه لأيّام الإنزعاج، ومن ساعات المهلة لساعة الإعجال، يا ابن أخي، إنّ اغترارك بالشّباب كالتذاذك بسمادير الأحلام، ثم تنقشع فلا تتمسك منها إلا بالحسرة عليها، ثم تعرّى راحلة الصّبا، وتشرب سلوةً عَنِ الهوى، واعلم أن أغنى الناس يوم الفقر من قدّم ذخيرة، واشدهم اغتباطاً يوم الحسرة من أحسن سريرة: السّرب: الطريق والوجه، قَالَ ذو الرمة:

خلّى لها سرب أولادها وهيّجهامن خلفها لاحق الصّقلين همهيم

والرفة أن تشرب الإبل فِي كلَّ يوم، وأرب: شدَّ، يُقَال: أربت العقد إذا شددته، والأربة: العقدة، وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: يُقَال: ظفت البعير أظوفه إذا دانيت بين قينيه، والقينان: موضعا القيد من الوظيف.

: الأوق: الثّقل، والهملجة: سرعة فِي المشي، قَالَ يعقوب بن السّكيت: دجّ يدجُّ دجيجاً إذا مرَّ مرّاً ضعيفاً، قَالَ الأصمعي: هو الدّججان، أنشد أَبُو عَلَى:

تدعو بذاك الدّججان الدّارجا.

قَالَ قطرب: الدّعلجة: ضرب من المشي، والدّعلجة: الدّحرجة، والدّعلجة: الظّلمة، والدّعلج: الحمار، والدّعلجة: الذهاب والمجىء، والدّعلجة: لعبة للصبيان، والدّعلجة: الأكل بنهم، وأنشد

: يأكلن دعلجةً ويشبع من عفا

والسمادير: ما يتراءى للإنسان فِي نومه من الأباطيل، وما يتراءه السكران فِي سكره، وقد قَالَ بعض اللغويين: قد اسمدر بصره إذا ضعف.

قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، قَالَ: استعمل المهلّب يزيد عَلَى حرب خراسان، واستعمل المغيرة عَلَى خراجها، ولم يول البختري بن المغيرة بن أبي صفرة فكتب اليه:

اقر السّلام عَلَى الأمير وقل لهإن المقام عَلَى الهوان بلاء
أصل الغدوّ إِلَى الرواح وإنماأذني وأذن الأبعدين سواء
أجفى ويدعي من ورائي جالساًما بالكرامة والهوان خفاء

فوجد عليه المهلب وألزمه منزله، فكتب إليه:

جفاني الأمير والمغيرة قد جفاوأمسى يزيد لي قد ازورّ جانبه
وكلّهم قد نال شبعاً لبطنهوشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عمّ مهلاً وإتّخذني لنوبةٍتلمّ فإن الدهر جمّ نوائبه
أنا السيف إلا أن للسيف نبوةومثلي لا تنبو عليك مضاربه

فرضي عنه وعزل المغيرة وولاّه

قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، لعمر بن أبي ربيعة:

يا ربّة البغلة الشّهباء هل لكمأن ترحمي عمراً لا ترهقي حرجا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ربة البغلة الشهباء هل لكم»
قَالَت بدائك مت أو عش تعالجهفما نرى لك فيما عندنا فرجا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ربة البغلة الشهباء هل لكم»
قد كنت حمّلتني غيظاً أعالجهفإن تقدني فقد عنيتنا حججا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ربة البغلة الشهباء هل لكم»
حتى لو اسطيع مما قد فعلت بناأكلت لحمك من غيظٍ وما نضجا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ربة البغلة الشهباء هل لكم»
فقلت لا والذي حجّ الحجيج لهما مج حبّك من قلبي وما نهجا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ربة البغلة الشهباء هل لكم»
ولا رأى القلب من شيء يسرّ بهمذ بان منزلكم عنّا وما ثلجا
كالشمس صورتها غراء واضحةٌتغشي إذا برزت من حسنها السرجا
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ربة َ البغلة ِ الشهباءِ، هلْ لكمُ»
ضنت بنائلها عنه فقد تركتمن غير جرم أبا الخطّاب مختلجا

قَالَ وحَدَّثَنِي أحمد بن يحيى، عَنْ حماد بن إسحاق، قَالَ: دخل عمر بن أبي ربيعة المسجد الحرام وهو يحاصر رجلاً من قريش، فنظر إِلَى عائشة بنت طلحة جالسةً بفناء الكعبة، فعدلا إليها وحادثاها، فقَالَ عمر: ألا أنشدك ما قلت فِي موسمنا هذا؟ قَالَت: بلى، فأنشدها:

يا ربة البغلة الشهباء هل لك فِيأن تنشري عمراً لا ترهقي حرجا
قَالَت بدائك مت أو عش تعالجهفما نرى لك فيما عندنا فرجا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ربة البغلة الشهباء هل لكم»
قد كنت حملتنا ثقلاً نعالجهفإن تقدنا فقد عنيتنا حججا

فقَالَت: لا وربّ هذه البنيّة، يا أبا الخطاب، ما عنّيتنا قطّ طرفة عين

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.