تجاوز إلى المحتوى

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)

دفاع المؤلف عن أبي الطيب

وقد تفقدت ما أنكرَهُ أصحابُك من هذا الديوان، بعد الأبيات التي حالُها من امتناع المحاجة فيها، وتعذّر المخاصمة عليها ما وصفْت فوجدته أصنافاً، منها ألفاظ نُسبَت الى اللّحن في الإعراب، وادُّعي فيها الخروج عن اللغة، ومعان وصِفَت بالفساد والإحالة، وبالاختلال والتناقض، واستِهلاك المعنى؛ وأخرى أنكِر منها التقصير عن الغرض، والوقوفع دون القصد. وأعيَب ما فيها ما عيبُه من باب التعقيد والعويص واستهلاك المعنى وغُموض المراد؛ ومن جهة بُعدِ الاستعارة، والإفراط في الصنعة، وقد حكيْت في كل باب منها ما علِقتُه من كلام أصحابك، وما قابلهم به خصومُك، ورأيت السّلامة في أن أقتصر من هذه الوساطة على حُسن التبليغ، وحسن التأدية، وتقريب العبارة، وجمع المتفرِّق، ثم أقف منكما حجْزةً، وأخرُج عنكما صفراً؛ قد أدّيتُ عن كل فريق ما تحملتُه، وسلمتُ من الميل فيما تكلّفته.

وكما لا أحكم على خصمك بالخطأ في كل ما يذكره، فكذلك لا أبعدُك من الصواب في أكثر ما تصفه. وجملة القول في هذه الأبيات وأشباهها أنه لو وُفّي فيها التهذيب حقه. ولم يُبخَس التّثقيف شرطَه لانقطعت عنها ألسُن العيب؛ وانسدّت دونها طرُق الطعن، ولدخَلتْ في جملة أخواتها، ولجرتْ مجرى أغيارها؛ ولاستغنت عن تكلّف البحث والتّنْقير؛ واستغنى خصمك عن تمحّل الحجج والمعاذير. لكنا لم نجد شاعراً أشمل للإحسان والإصابة والتنقيح والإجادة شعره أجمع، بل قلّما تجد ذلك في القصيدة الواحدة، والخطبة الفردة؛ ولا بد لكل صانع من فترة، والخاطر لا تستمر به الأوقات على حال؛ ولا يدوم في الأحوال على نهج. وقد قدمنا لك في صدر هذه الرسالة من شعر أبي نواس وأبي تمام وغيرِهما ما مهّدنا به الطريق الى هذا القول،

وأقمناه علَماً يرجَع إليه في هذا الحكم، وأعلمناك أنه ليس بغيتنا الشهادة لأبي الطيب بالعصمة، ولا مرادُنا أن نبرّئه من مقارفة زلّة، وأن غايتنا فيما قصدنا أن نلحِقَه بأهل طبقته، ولا نقصّر به عن رتبته، وأن نجعله رجلاً من فحول الشعراء، ونمنعك عن إحباط حسناته بسيئاته، ولا نسوّغ لك التحامل على تقدّمه في الأكثر بتقصيره في الأقل، والغضّ من عامّ تبريزه، بخاص تعذيره. ومتى وجدتك تحتمل للفرزق قوله:

وما مثلُه في الناس إلا مُمَلَّكاًأبو أمه حيٌ أبوه يقاربُه

وقوله:

ما بالمدينة دارٌ غير واحدةدار الخليفة إلا دار مروانا

وقوله:

فإنّ التي ضرّتْك لو ذقت طعمَهاعليك من الأعباء يوم التخاصم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

وأشباهها. وإن لم تحتمِله لم تتعمدْه بالعيب، ولم تتناول قلائدَه بالغضّ، ولا تسلك بأبي الطيب هذا المسلك، وتحمِله على هذا المنهَج علمتُ أنّك متعصّب مائل، ومتحامل جائر.

وقد حدثني بعض أهل الأدب أنه حضر عند أبي الحسن بن لنْكَك البصري - وكان على فضله في العلم، وتقدُمه في الأدب - شديد التحامل على أبي الطيب، وهو يذكر شيئاً من شعره حتى انتهى الى قوله:

بقائي شاء ليس همُ ارتحالا

فجعل يعجِّب من هذا المصراع من حضره ويقول: هل رأيتُم أشد تعقيداً وأظهر تكلفاً، وأسوأ ترتيباً من هذا الكلام! قال: فقلت له: هب الأمر على ما ادّعيته،

وأنّا سلّمنا لك ما زعمته، أين أنت من قوله في إثر هذا البيت:

كأنّ العيسَ كانت فوقَ جفنيمُناخاتٍ فلمّا ثُرْنَ سالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال: فاستشاط غيظاً، ثم قال: هذا المصراع يسقط دواوين عدة شعراء! فإنْ كان هذا الحكم سائغاً، وكان ما قاله مقبولاً، فإن أحد أبيات الفرزدق يُسقط شعر بني تميم جملة؛ فقد ترى ما بينَها من الفضل في النقص، وتتبين تفاوتها في سوء الترتيب واختلال النظم. ولو كان التعقيدُ وغموضُ المعنى يُسقطان شاعراً لوجب أن لا يُرى لأبي تمام بيت واحد؛ فإنا لا نعلم له قصيدة تسلم من بيتٍ أو بيتين قد وفَر من التعقيد حظهما؛ وأفسد به لفظهما، ولذلك كثُر الاختِلاف في معانيه، وصار استخراجها باباً منفرداً؛ ينتسِب إليه طائفة من أهل الأدب، وصارت تُتطارح في المجالس مطارحة أبيات المعاني، وألغاز المُعمّى.

وليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض مستتر؛ ولولا ذلك لم تكن إلا كغيرها من الشعر، ولم تفرَد فيها الكتب المصنّفة، وتُشغل باستخراجها الأفكار الفارغة.

ولسنا نريدُ القِسم الذي خفاء معانيه واستتارُها من جهة غرابة اللفظ وتوحش الكلام، ومن قبل بُعد العهد بالعادة وتغيّر الرسم، كاختلاف الناس في قول تميم بن مقبل:

يا دار سلمى خلاء لا أكلِّفهاإلا المرانةَ حتى تعرِفَ الدِّينا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «يا دار سلمى خلاء لا أكلفها»

فإن الذي خالف بين أقاويلهم فيها هو أنهم لم يعرفوا المرانة، فقال قائل: هي ناقته، وقال آخر: هي موضع دار صاحبته، وقال آخر إنما أراد الدوام والمرونة.

النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.