من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)
غلوّ القدامى
فأما الإفراط فمذهب عام في المُحدَثين، وموجود كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون، فمستحسِن قابل، ومستقبِح رادّ، وله رسوم متى وقف الشاعر عندَها، ولم يتجاوز الوزصف حدّها جمع بين القصْد والاستيفاء، وسلم من النقْص والاعتداء، فإذا تجاوزها اتسمت له الغاية، وأدته الحال الى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشُعبة من الإغراق، والباب واحد، ولكن له درَج ومراتب.
فإذا سمع المحدَث قول الأول:
إلا إنما غادرْتِ يا أمَّ مالكٍصدًى أينما تذهبْ به الريح يذهب
وقول آخر من المتقدمين:
ولو أنّ ما أبقيتِ منّي معلَّقٌبعودِ ثمامِ ما تأوّد عودُها
جسَر على أن يقول:
أسَرّ إذا نحِلتُ وذاب جسميلعل الريح تسْفي بي إليهِ
واستحسن غيره أن يقول:
ذاب فلو زُجّ بجُسمانهفي ناظر الوسْنان لم ينتبِهْ
وسهّل لأبي الطيب الطريق فقال:
ولو قلمٌ ألقيتُ في شقِّ رأسهمن السُقمِ ما غيرتُ من خطّ كاتِب
وقال:
كفى بجسمي نُحولً أنّني رجللولا مخاطبتي إياك لم ترَني
وإذا قال عنترة:
وأنا المنية في المواطن كلِّهاوالطعْنُ مني سابقُ الآجال
وقال النابغة الجعدي:
بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجدودُناوإنّا لنرجو فوق ذلك مظْهَرا
وقال الأعشى:
لو أسندتْ ميتاً الى نحرِهاعاش ولم يُنقل الى قابر
وقال عروة بن زيد:
بجيشٍ تُطلّ البلق في حجَراتِهترى الأُكمَ منه سُجَّداً للحوافرِ
وقال النابغة:
تقُدّ السَّلوقيّ المضاعفَ نسجُهوتوقِدُ بالصّفّاح نار الحُباحِبِ
وقال النمِر بن تولب:
يظل يحفز عنه إن ضربْت بهبُعد الذراعين والساقين والهادي
وقال مهلهِل:
ولولا الريح أسمعَ من بحِجْرٍصَليلَ البيض تقرَع بالذكور
وقال امرؤ القيس:
إذا ركِبوا الخيل واستلأمواتحرّقتِ الأرضُ واليومُ قُرّْ
وقال الأعور الشّنّي:
ولو حلّ بالدّهناءَ حرث بن جابرلأصبحَ بحْراً بالمفازةِ جاريا
وقال الهذلَي:
يردّ شعاع الشمس عار رماحناويصرف حد الشمس حتى تكركرا
وقال قيس بن الخطيم:
ملكْتُ بها كفّي فأنهرْتُ فتْقَهاترى قائماً من دونها ما وراءَها
وقال هدبة:
بإجّانة فيحاءَ لو خرّ بازلٌمن البُختِ فيها ظلّ للجنبِ يسبحُ
وقال ابن ميّادة:
ولو أن قيساً قيسَ عَيلانَ أقسمتْعلى الشمس لم تطلعْ عليها حجابها
وقال الطّرمّاح:
ولو أن برغوثاً على ظهر قملةٍيكر على صفّيْ تميم لولّتِ
وقال العيني في جوابه:
ولو أن عصفوراً يمدّ جناحهعلى طيئ في دارها لاستقلّتِ
وقال طُريح:
لو قلت للسيل دع طريقك والموج عليه كالهضب يعتلِجُ
لارتدّ أوساخَ أو كان لهفي سائر الأرض عنك منعرَجُ
وقال العوّام بن عبد عمرو:
ولو أنها عصفورة لحسبتُهامسوّمةً تدعو عُبيداً وأزنَما
وقال تميم بن مقبل:
ولو كحلت حواجب خيل قيسبكلب بعد تغلب ما قُذينا
وأمثال هذا مما لو قصدنا جمعه لم يعوز الاستكثار منه وجد من بعدَهُم سبيلاً مسلوكاً وطريقاً موطّئاً، فقصدوا، وجاروا، واقتصدوا وأسرفوا وطلب المتأخر الزيادة، واشتقاق الى الفضل فتجاوز غاية الأول، ولم يقف عند حد المتقدم، فاجتذبَه الإفراط الى النقص، وعدَل به الإسراف نحو الذم.
النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع