من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)
عودة الى الدفاع عن أبي الطيب
ولما سمع أبو الطيب قول قيس بن الخطيم في الطعنة نافسه فقال:
إذا ما ضربْت القِرنَ ثم أجزْتَنيفكِلْ ذهباً لي مرّةً منه بالكلْمِ
فلم يحفِل بسوء النظم، وهلهلةِ النّسج لما حصل له الغرض في إنهار الطعنة، وتوسيع الجرح.
ولما سمع قول العوام بن عبد عمرو:
ولو أنها عصفورة لحسبتهامسوّمةً تدعو عبيداً وأزْنما
ووجد المحدَثين قد تبعوه، فذهبوا به مذاهب طلب الزيادة فقال:
وضاقت الأرض حتى كان هاربُهمإذا رأى غير شيء ظنّه رجُلا
فلم يكترث بالإحالة، ولم يستقبح أن جعل غيرَ شيء مرثيّاً لما استوفى عند نفسه الغاية، ولم يبق وراءها مرمًى لشاعر، وشجّعه على ذلك أيضاً أنه سمع قول عمرو بن لجأ:
وقعنب يا بْن لا شيء هتفت به
وقول أبي تمام:
أفيّ تنظِم قولَ الزّور والفنَدِوأنت أنزَرُ من لا شيءَ في العدَدِ
فقال: قد أجاز هذا أن يكون لا شيء واحداً، وهذا أن يكون معدوداً فكيف
يحظر عليّ أن أجعلَه مرئياً!.
ولما رأى مهلهِلاً قد أسمع أهل حِجْر صليل البيْض، وهو بالذنائب وبينهما عرْض نجد أقدم على أن قال:
سلّه الرّكْبُ بعد وهْنٍ بنجدٍفتصدّى للغيث أهلُ الحجاز
وإذا رآهم قد احتملوا لطريح أن يجعل الوليد بن يزيد يردّ السّيل بقوله من جهة، ويصرفه عن طريقه سامهم أن يحتملوا في ابن حمدان قوله:
ألقَتْ إليكَ دماءُ الرومِ طاعَتهافلو دعوْت بلا ضرْب أجاب دمُ
ومتى سامح الرواة وحملة الشعر الفرزدق في قوله:
لعمركُ ما الأرزاق حين احتفالُهابأكثرَ خيراً من خِوان العُذافر
ولو ضافه الدّجال يلتمِسُ القِرىوحلّ على خَبّازِه بالعساكر
بعدّة يأجوج ومأجوج كلهملأشْبَعهم يوماً غذاء العُذافِر
وسامحوا سُحَيماً عبد بني الحسحاس في قوله:
وما زال بُردي طيّباً من رِدائهاالى الحوْل حتى أنهجَ البرد بالِيا
وجميلاً في قوله:
ولو أن جلداً غير جِلدكِ مسّنيوباشرني دون الثياب شريتُ
ولو أن واقي الموت يدو جنازتيبمنطقها في الناطقين حييتُ
لزمهم أن يسامحوا أبا نواس في قوله يصف قِدراً:
يعضّ بحَيزوم الجرادة صدرُهاوينضج ما فيها بعودِ خِلال
تغلي بذكر النار من غير قُربهاوينزلها عفواً بغير جعال
والعَكوّك في قوله يصف رِجله ومشيها:
إذا اتسعت لم يلحق الذرُّ شأوَهاوخامرها دون الذراع ابتِهارُها
وأبا الطيب في قوله:
له رحمةٌ تُحيي العِظام وغضبةٌبها فضلةٌ للجُرمِ عن صاحبِ الجُرمِ
ورقّةُ وجهٍ لو ختمْتَ بنظرةعلى وجنتَيه ما امّحى أثرُ الختْمِ
لقد حال بين الجِنّ والإنسِ سيفُهفما الظنّ بعد الجنِّ بالعُربِ والعُجمِ
وأرهبَ حتى لو تأمّل دِرْعَهجرَتْ جزَعاً من غير نار ولا فحم
فإن قالوا: ألسنا نسامح المتقدمين بالخطأ؟ ولا نحتمِل لهم هذا الإغراق الفاحش؟ قلنا: أو لستُم قد سلّمتم لهم الإحسان في غير ذلك، ولم تسقطوهم من عداد الشعراء لأجله فأجروا هذا الرجل مجراهم، وألحقوه في الحكم بهم. وإذا احتملوا لامرئ القيس قوله:
من القاصراتِ الطّرْف لو دبّ محوِلٌمن الذّرِّ فوق الإتْب منها لأثّرا
ولحميد قوله:
منعّمة لو يُصبِح الذّرُّ سارياًعلى جِلدها صبّت مدارجُه دما
فاحتملوا للمُحدث قوله:
يجرحه اللّحظُ بتكرارِهويشتكي الإيماء بالكفّ
ولأبي الطيب قوله:
تألّمُ درزَهُ والدّرْزُ ليْنٌكما نتألّم العضْبَ الصّنيعا
وإذا لم ينزل عندكم حُميد بن ثور عن مكانه، ولم يؤخره عن مقامه إفراطه في قوله يصف امرأة ركبت هودجها:
فما دخلتْ في الخِدْرِ حتى تنقّضتْتآسيرُ أعلى قِدّه وتحطّما
وما ركبتْ حتى تطاول يومُهاوكانت لها الأيدي الى الحدب سُلّما
فجرجَر لمّا كان في الخِدر نصفُهاونصف على أياته ما تجزّما
وما كاد لما أن علَته يُقلّهابنهضتِه حتى اكلأزّ وأعْصَما
وحتى تداعت بالنقيضِ حبالُهوهمّت بواني زورِه أن تحطما
وأثر في صُم الصّفا ثفِناتُهورام بلما أمرَه ثم صمّما
قال الأصمعي - وقد قرئت عليه هذه الأبيات: لو كانت هذه المرأة الماز ندر ما زاد؛
فكيف ملتم على أبي الطيب لإفراطه في قوله:
ذِراعاها عدوّاً دُملُجَيهايظنّ ضجيعُها الزّند الضّجيعا
إذا ساغ للمتقدم أن يقول:
فلما جئته أعلى محلّيوأجلسني على السّبعِ الشِّداد
فأما ما جرى مجرى قول أبي نواس:
وأخفْتَ أهلَ الشِّركِ حتى إنّهلتخافُك النُّطَفُ التي لم تخلَق
فهو من المحال الفاسد، وله باب غير هذا، وكل هذا عند أهل العلم مَعيب مردود، ومنفي مرذول، وإن كان أهل الإغراب وأصحاب البديع من المحدَثين قد لهِجوا به واستحسنوه، وتنافسوا فيه؛ وبارَى بعضُهم بعضاً به.
ولسنا نذهب بما نذكره في هذا الباب مذهب الاحتجاج والتحسين، ولا نقصد به قصد العُذْر والتسويغ؛ وإنما نقول: إنه عيب مشترك، وذنب مقتَسَم، فإن احتمل فللكل، وإن رُدّ فعلى الجميع، وإنما حظ أبي الطيب فيه حظ واحد من عرض الشعراء، وموقعه منه موقع رجل من المحدثين.
فأما الاستعارة فهي أحد أعمِدة الكلام، وعليها المعوَّل في التوسّع والتصرف، وبها يتوصل الى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر، وقد قدمنا عند ذكرنا البديع نُبذاً منها مثلنا بها المُستَحسَن والمستقبح، وفصلنا بين المقتصِد والمفرِط.
النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع