من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
الفصل الثّالث والعشرون فى تجاهل العارف
، ومزج الشك باليقين
تجاهل العارف
تجاهل العارف ومزج الشك باليقين: هو إخراج ما يعرف صحته مخرج ما يشك فيه ليزيد بذلك تأكيدا؛ ومثاله من المنثور ما كتبته إلى بعض أهل الأدب: سمعت بورود كتابك، فاستفزّنى الفرح قبل رؤيته، وهزّ عطفى المرح أمام مشاهدته؛ فما أدرى أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب، ولم أدر ما رأيت:
أخط مسطور؟ أم روض ممطور وكلام منثور؟ أم وشى منشور؟ ولم أدر ما أبصرت فى أثنائه: أأبيات شعر، أم عقود در؟ ولم أدر ما حملته: أغيث حلّ بوادى ظمآن، أم غوث سيق إلى لهفان.
ونوع منه ما كتب به كافى الكفاة:
كتبت إليك والأحشاء تهفووقلبى ما يقرّ له قرار
عن سلامة؛ إن كان فى عدم السالمين من اتّصل سهاده، وطار رقاده، ففؤاده يجف، ودمعه يكف؛ ونهاره للفكر، وليله للسّهر.
ومن المنظوم قول بعض العرب:
بالله يا ظبيات القاع قلن لناليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
وقول آخر:
أأنت ديار الحىّ أيتها الرّبا الأنيقة أم دار المهى والنّعائم
وسرب ظباء الوحش هذا الّذىأرى بربعك أم سرب الظّباء النواعم
وأدمعنا اللّاتى عفاك انسجامهاوأبلاك أم صوب الغمام السّواجم
وأيامنا فيك اللّواتى تصرّمتمع الوصل أم أضغاث أحلام نائم
وقال ذو الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النّقا أأنت أم أمّ سالم
وقال بعض المتأخرين:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر
وقلت:
أغرّة إسمعيل أم سنّة البدروفيض ندى كفّيه أم باكر القطر
وقلت أيضا:
أثغر ما أرى أم أقحوانوقدّ ما بدا أم خيزران
وطرف ما تقلّب أم حسامولفظ ما تساقط أم جمان
وشوق ما أكابد أم حريقوليل ما أقاسى أم زمان
وقال ابن المعتز:
كم ليلة عانقت فيها بدرهاحتّى الصباح موسّدا كفّيه
وسكرت لا أدرى أمن خمر الهوىأم كأسه أم فيه أم عينيه
وقال أعرابى:
أيا شبه ليلى ما لليلى مريضةوأنت صحيح إنّ ذا لمحال
أقول لظبى مرّ بى وهو راتعأأنت أخو ليلى؟ فقال: يقال!
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع