من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ولهم فى محاسن الغلمان والمعذرين
زاد جماله، وأقمر هلاله. ترقرق فى وجهه ماء الحسن، شادن فاتر طرفه، ساحر لفظه. غلام تأخذه العين، ويقبله القلب، ويأخذه الطّرف، وترتاح إليه الرّوح. تكاد القلوب تأكله، والعيون تشربه. جرى ماء الشباب فى عوده فتمايل كالغصن، واستوفى أقسام الحسن، ولبس ديباجة الملاحة، كأنّ البدر قد ركب أزراره، لا يشبع منه الناظر، ولا يروى منه الخاطر، كاد البدر يحكيه، والشمس تشبهه وتضاهيه، صورة تجلو الأبصار، وتخجل الأقمار، شادن منتقب بالبدر، ومكتحل بالسحر. ما هو إلّا نزهة الأبصار، ومخجل الأقمار، وبدعة الأمصار، غمزات طرفه تخبر عن ظرفه، ومنطقه ينطق عن وصفه. تخال الشمس تبرقعت غرّته، والليل ناسب أصداغه وطرّته الحسن ما فوق أزراره، والطّيب ما تحت إزاره، شادن يضحك عن الأقحوان، ويتنفّس عن الريحان، كأنّ خدّه سكران من خمر طرفه، وبغداد مسروقة من حسنه وظرفه، أعجمت يد الجمال نون صدغه بخال، هذا محلول من قول ابن المعتز:
غلالة خدّه صبغت بوردونون الصّدغ معجمة بخال
له عينان حشو أجفانهما السّحر، كأنه قد أعار الظّبى جيده، والغصن قدّه، والراح ريحه، والورد خدّه، الشّكل من حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته. قد ملك أزمّة القلوب، وأظهر حجّة الذنوب، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظه الفلك بعنايته، فصاغه من ليله ونهاره، وحلاه بنجومه وأقماره، ونقبّه ببدائع آثاره، ورمقه بنواظر سعوده، وجعله بالجمال أحد حدوده. وقد صبغ الحياء غلالة وجهه، ونشر لؤلؤ العرق عن ورد خدّه. تكاد الألحاظ تسفك من خدّه دم الخجل. له طرّة كالغسق، على غرّة كالفلق. جاءنا فى غلالة تنمّ على ما يستره، وتجفو مع رقّتها عما يظهره. وجه بماء الحسن مغسول، وطرف بمرود السّحر مكحول ثغر حمى حماية الثغور، وجعل ضرّة لقلائد النحور. السحر فى ألحاظه، والشهد فى ألفاظه. اختلس قامة الغصن، وتوشّح بمطارف الحسن، وحكى الروض غبّ المزن. الأرض مشرقة بنور وجهه، وليل السّرار فى مثل شعره. الجنة مجتناة من قربه، وماء الجمال يترقرق فى خدّه، ومحاسن الربيع بين سحره ونحره، والقمر فضلة من حسنه. ما هو إلا خال فى خدّ الظّرف، وطراز على علم الحسن، ووردة فى غصن الدهر، ونقش على خاتم الملك، وشمس فى فلك اللطف. هو قمر فى التصوير، شمس فى التأثير. منظر يملأ العيون، ويملك النفوس، زرافين أصداغه معاليق القلوب. كأنّ صدغه قرط من المسك على عارض البدر. وجهه عرس، وصدغه مأتم، ووصله جنة، وهجره جهنم. أصداغه قد اتخذت شكل العقارب، وظلمت ظلم الأقارب. إن كان عقرب صدغه تلسع، فترياق ريقه ينفع. كأن شاربه زئبر الخزّ الأخضر، وعذاره طراز المسك والعنبر [الأذفر]، على الورد الأحمر. إذا تكلّم تكشّف حجاب الزمرّد والعقيق،
عن سمط الدرّ الأنيق. قد همّ أرقم الشّعر على شاربه، وكاد فم الحسن يقبّله.
كأنّ العذار ينقش فصّ وجهه، ويحرق فضّة خدّه. طرّز الجمال ديباج وجهه، وأبان عذاره العذر فى حبّه. [لعب الربيع بخدّه، فأنبت البنفسج فى ورده.
لما احترقت فضة خدّه، احترق سواد القلب من حبّه].
كيف لا يخضرّ شاربهومياه الحسن تسقيه
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع