تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

معاوية بن يسار

وكان أبو عبيد الله واسع الذّرع، سابغ الدرع فى الكرم والبلاغة، واسمه معاوية بن يسار.

وكان يقول: إن نحوة الشرف تناسب بطر الغنى، والصبر على حقوق الثّروة أشدّ من الصّبر على ألم الحاجة، وذلّ الفقر يسعى على عزّ الصبر، وجور الولاية مانع من عدل الإنصاف، إلا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطان عزمه قوة على شهوته.

وكان يقول: لا يكسر رأس صناعة إلا فى أخسّ رتّان، وأرذل سلطان، ولا يعيب العلم إلا من انسلخ عنه، وخرج منه.

وكان يقول: حسن البشر علم من أعلام [النجاج] ورائد من [روّاد الفلاح]، وما أحسن ما قال زهير:

تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنك تعطيه الذى أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقال له المهدىّ بعد أن قتل ابنه على الزندقة: لا يمنعك ما سبق [به] القضاء فى ولدك، من [ثلج صدرك] وتقديم نصحك؛ فإنى لا أعرض لك رأيا على تهمة، ولا أؤخر لك قدما عن رتبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان [ولدى حسنة] من نبت إحسانك أرضه، ومن تفقّدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك، وعبد نهيك، وبقية رأيك لى أحسن الخلف عندى.

وكان يقول: العالم يمشى البراز آمنا، والجاهل يهبط الغيطان كامنا، ولله درّ زهير حيث يقول:

الستر دون الفاحشات ومايلقاك دون الخير من ستر

وقال أبو عبيد الله: ذاكرنى المنصور فى أمر الحسين بن قحطة، فقال: كان

أوثق الناس عندى، وأقربهم من قلبى، فلما لقى أبا حنيفة انتكث، فقلت: إن فسدت نيته فسيضعه الباطل كما رفعه الحقّ، وتشهد مخايله عليه كما شهدت له، فتعدل فى أمره من شكّ إلى يقين. ثم قال لى: اكتم علىّ ما ألقيت عليك.

قال عمران بن شهاب: استعنت على أبى عبيد الله فى أمر ببعض إخوانه وكان قد تقدّم سؤالى إيّاه فيه، فقال لى: لولا أن حقّك لا يجحد ولا يضاع، لحجبت عنك حسن نظرى؛ أظننتنى أجهل الإحسان حتى أعلّمه، ولا أعرف موضع المعروف حتى أعرّفه؟ لو كان ينال ما عندى إلا بغيرى لكنت مثل البعير الذّلول؛ يحمل عليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ برك، ما يملك من نفسه شيئا، فقلت: معرفتك بموضع الصنائع أثبت معرفة، ولم أجعل فلانا شفيعا إنما جعلته مذكّرا. قال: وأى إذكار أبلغ عندى فى رعى حقّك من مسيرك إليه وتسليمك عليه، إنه متى لم يتصفّح المأمول أسماء مؤمّليه غدوة ورواحا لم يكن للأمل محلّا، وجرى عليه المقدار لمؤمّليه على يديه بما قدر، وهو غير محمود على ذلك ولا مشكور، ومالى إمام بعدوردى من القرآن إلا أسماء رجال أهل التأميل، حتى أعرضهم على قلبى، فلا تستعن على شريف إلا بشرفه؛ فإنّه يرى ذلك عيبا لعرفه؛ وأنشد:

وذاك امرؤ إن تأته فى عظيمةإلى بابه لا تأته بشفيع

ومن توقيعاته: الحق يعقب فلجا أو ظفرا، والباطل يورث كذبا وندما.

وكتب إليه رجل: والنفس مولعة بحبّ العاجل. فكتب إليه: لكن العقل الذى جعله الله للشهوة زماما وللهوى. رباطا موكّل بحبّ الآجل، ومستصغر لكل كثير رائل.

قال مصعب بن عبد الله الزبيرى: وفد زياد الحارثى على المهدى وهو بالرّىّ ولىّ عهد، فأقام سنتين لا يصل إليه شىء من برّه، وهو ملازم كاتبه أبا عبيد الله، فلما طال أمره دخل إلى كاتبه فأنشده:

ما بعد حولين مرّا من مطالبةولا مقام لذى دين وذى حسب
لئن رحلت ولم أظفر بفائدةمن الأمير لقد أعذرت فى الطّلب

فوقع أبو عبيد الله: يصنع الله لك! فكتب إليه:

ما أردت الدعاء منك لأنىقد تيقّنت أنه لا يجاب
أيجاب الدعاء من مستطيلجلّ تسبيحه الخنا والسّباب

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.