من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
زيارة طيف الخيال
وقال بشار:
أعددت لى عتبا بحبّكميا عبد طال بحبّكم عتبى
ولقد تعرض لى خيالكمفى القرط والخلخال والقلب
فشربت غير مباشر حرجابرضاب أشنب بارد عذب
وقال المتنبى:
بتنا يناولنا المدام بكفّهمن ليس يخطر أن نراه بباله
نجنى الكواكب من قلائد جيدهوننال عين الشمس من خلخاله
وأول شعر أبى الطيب:
لا الحلم جاد به ولا بمثالهلولا ادّكار وداعه وزياله
إن المعيد لنا المنام خيالهكانت إعادته خيال خياله
إنى لأبغض طيف من أحببتهإذ كان يهجرنا زمان وصاله
يقول: التمثيل والتخيل له فى اليقظة أعاد خياله فى المنام، فكأن الخيال الذى فى النوم تصوّر فى اليقظة. وأظهر من هذا قول الطائى:
زار الخيال لها لا بل أزاركهفكر إذا نام فكر الخلق لم ينم
ظبى تقنّصته لما نصبت لهفى آخر الليل أشراكا من الحلم
أما بيته الأول فمن قول جميل:
حييث طيفك من طيف ألمّ بهحدّثت نفسك عنه وهو مشغول
وقال ذو الرمة:
نأت دارمىّ أن تزار، وزورهاإذا ما دجا الإظلام منا وساوس
إذا نحن عرّسنا بأرض سرى لناهوى لبّسته بالقلوب اللوابس
وبيته الثانى ألمّ فيه بقول قيس بن الملوّح:
وإنى لأستغشى وما بى نعسةلعلّ خيالا منك يلقى خياليا
وأخرج من بين الجلوس لعلّنىأحدّث عنك النفس فى السرّ خاليا
تقطّع أنفاسى لذكرك أنفسايردن فما يرجعن إلا صواديا
وقد قال فيه قيس بن ذريح:
وإنى لأهوى النوم فى غير نعسةلعلّ لقاء فى المنام يكون
تخبّرنى الأحلام أنى أراكمفياليت أحلام المنام يقين
وكان البحترى أكثر الناس إبداعا فى الخيال، حتى صار لاشتهاره مثلا يقال له «خيال البحترى»، وفى بعض ذلك يقول:
ألمّت بنا بعد الهدوّ، فسامحتبوصل متى تطلبه فى الجدّ تمنع
فما برحت حتى مضى الليل وانقضىوأعجلها داعى الصباح الملمّع
فولّت كأنّ البين يخلج شخصهاأوان تولّت من حشاى وأضلعى
وقال:
سقى الغيث أجزاعا عهدت بجوّهاغزالا تراعيه الجاذر أغيدا
إذا ما الكرى أهدى إلىّ خيالهشفى قربه التبريح أو نقع الصدى
فلم نر مثلينا ولا مثل شأننانعذّب أيقاظا وننعم هجّدا
وقال:
بلى وخيال من أثيلة كلماتأوّهت من وجدى تعرّض يطمع
يرى مقلتى ما لا ترى من لقائهوتسمع أذنى رجع ما ليس تسمع
[ويكفيك من حق تخيّل باطلتردّ به نفس اللهيف فترجع]
قوله فى البيت الأخير من قول الحسين بن الضحاك:
وماذا يفيدك طيف الخيال والهجر حظّك ممن تحب
غناء قليل، ولكننىتملّيته بقنوع المحب
وللحسين فى هذا المعنى وإن لم يكن فى ذكر الخيال:
وصف البدر حسن وجهك حتّىخلت أنى، وما أراك، أراكا
وإذا ما تنفّس النرجس الغضّنتوهّمته نسيم جناكا
خدع للمنى تعلّلنى فيكبإشراق ذا ونكهة ذاكا
وأول من طرد الخيال طرفة بن العبد، فقال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلبإليها فإنى واصل حبل من وصل
فتبعه جرير فى قوله فقال:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذاحين الزيارة فارجعى بسلام
قال البحترى، ونفى هذا المعنى بقوله:
قد كان منى الوجد غبّ تذكّرإذ كان منك الصدّ غبّ تناسى
تجرى دموعى حين دمعك جامدويلين قلبى حين قلبك قاسى
ما قلت للطيف المسلم لا تعدتغشى، ولا نهنهت حامل كاسى
وقال ابن هانى الأندلسى:
ألا طرقتنا والنجوم ركودوفى الحىّ أيقاظ ونحن هجود
وقد أعجل الفجر الملمّع خطوهاوفى أخريات الليل منه عمود
سرت عاطلا غضبى على الدرّ وحدهفلم يدر نحر مادهاه وحيد
فما برحت إلا ومن سلك أدمعىقلائد فى لبّاتها وعقود
ألم يأتها أنّا كبرنا عن الصّباوأنا بلينا والزمان جديد
وقال علىّ بن محمد الإيادى:
أما إنه لولا الخيال المراجعوعاص يرى فى النوم وهو مطاوع
لأشفق واستحيا من النوم والهيرى بعد روعات الهوى وهو هاجع
وقال أيضا:
طيف يزورك من حبيب هاجرأهلا به وبطيفه من زائر
شقّ الدجى وسرى فأمعن فى السّرىحتى ألمّ فبات بين محاجرى
يحدو به هيف القوام المنثنىنحوى وسالفة الغزال النافر
لله درّك من خيال واصلأسرى فأنصف من حبيب هاجر
علّلت علة قلب صبّ هائموقضيت ذمّة فيض دمع قاطر
وقال عبد الكريم بن إبراهيم
لم أدر مغناك لولا المسك والقطروزورة لملمّ عهده عفر
سرى يعارض أنفاس الرياح بماتحمّر الورد منه وانتشى الزّهر
يخفى بثوب الدّجى مسراه مستتراومن تقنّع صبحا كيف يستتر
كأنّ أعين واشيه تراقبهفيه فيدمج أخبارى فيختصر
وقال
أهلا به من زائر معتادوالليل يرفل فى ثياب حداد
يتجاوز الرايات يخفق ظلهاويشقّ ملتفّ القنا المنآد
أنّى اهتدى فى ظل أخضر مغدفحتى تيمّم بالعراء وسادى
بأرقّ من كبد المتيّم مقدمافى حيث ينبو الحارث بن عباد
معتادة أمنت نمائم حليهاوالحلى نمّام على العوّاد
وكأنما ياقوتها فى نحرهامتوّقد مما يجنّ فؤادى
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع