من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من رسائل الميكالى وشعره
فصل لأبى الفضل الميكالى إلى بعض إخوانه:
ما ابتدأت بمخاطبة سيّدى حتى سرت المسرّة فى نفسى، وقويت أركان بهجتى وأنسى، وحتى أقبلت وجوه الميامن تتهلّل إلىّ، وبدر المساعد تنثال علىّ، وكيف [لا يملكنى الجذل والفرح، وكيف] لا يهزّنى النشاط والمرح، وقد زففت ودّى إلى كفء كريم، وعرضته لحظّ من الجمال جسيم، وأرجو أن يرد منه على حسن قبول وإقبال، ويحظى من ارتياحه له ببرد
اشتمال، ويصادف من اهتزازه وإنشائه، وعمارته وإنمائه، وتحصين أطرافه من شوائب الخلل، وشوائن الوهن والميل، وما تستحكم به مرائر الوصال، وتؤمن على قواها عوادى الانتقاض والانحلال.
وله: إذا لم يؤت المرء فى شكر المنعم إلا من عظم قدر الإنعام والاصطناع، واستغراقه منه قوى الاستقلال والاضطلاع، فليس عليه فى القصور عن كنه واجبه عتب، ولا يلحقه فيه نقيصة ولا عيب. ولئن ظهر عجزى عن حق هذه النعمة فإنى احيل بحسن الثناء على من لا يعجزه حمله، ولا يؤوده ثقله، ولا يزكو الشكر إلا لديه، ولا تصرف الرغبة إلا إليه، والله يبقيه لمجد يقيم أعلامه، وفضل يقضى ذمامه، وعرف يبثّ أقسامه، وولىّ يوالى إكرامه، وعدوّ يديم قمعه وإرغامه وله: ولو وفيت هذه النعمة الجسيمة حقّها لمشيت إلى حضرته- آنسها الله تعالى- حبوا [لا] على القدم، ولآثرت فيه خدمة اللسان على خدمة القلم، ولما رضيت له بباعى القصير، وعبارتى الموسومة بالعجز والقصور، حتى أستعير فيه ألسنة تحمل شكرا وثناء، وتوسع نشرا ودعاء، ثم لا أكون بلغت مبلغا كافيا، ولا أبليت عذرا شافيا؛ إلّا أنّ عدم الإذن ثبّطنى عن مقصود الغرض، وعاقنى عن الواجب المفترض؛ فأقمت عاكفا على دعاء أرفعه إلى الله ﷿ مبتهلا، وأواصله مجتهدا فى ليلى ونهارى محتفلا.
وله: أحقّ النعمة بالزيادة نعمة لم تزل العيون إليها مستشرفة، والقلوب إليها متشوّفة، والأيام بها واعدة، والأقدار فيها مساعدة، حتى استقرّت فى نصابها، وألقت عصىّ اغترابها، فهى للنماء والزيادة مترشحة، وبالعزّ والسعادة متوشحة، وبالأدعية الصالحة مستدامة مرتهنة، وباتّفاق الكلمة والأهواء عليها مرتبطة محصّنة.
وله فصل من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين:
أقدار الله تعالى فى خلقه لم تزل تختلف بين مكروه ومحبوب، وتتصرّف بين موهوب ومسلوب، غادية أحكامها مرّة بالمصائب والنوائب، رائحة أقسامها تارة بالعطايا والرغائب، ولكن أحسنها فى العيون أثرا، وأطيبها فى الأسماع خبرا، وأحراها بأن تكسب القلوب عزاء وتصسبّرا، ما إذا انطوى نشر، وإذا انكسر جبر، وإذا أخذ بيد ردّ بأخرى، وإذا وهب بيمنى سلب بيسرى، كالمصيبة بفلان التى قرّحت الأكباد، وأوهنت الأعضاد، وسوّدت وجوه المكارم والمعالى، وصورت الأيام فى صور الليالى، وغادرت المجد وهو يلبس حداده، والعدل وهو يبكى عماده، والدين وهو يندب جهاده، حتى إذا كاد اليأس يغلب الرّجاء، ويردّ الظنون مظلمة النواحى والأرجاء، قيّض الله تعالى من الأمير الجليل من اجتمعت عليه الأهواء، ورضيت به الدهماء، فأسى به حادث الكلم، وسدّ بمكانه عظيم الثّلم، وردّ الآمال والنفوس قد استبدلت بالحيرة قوة وانتصارا، وصارت للدولة المباركة أعوانا وأنصارا ومن شعره فى تجنيس القوافى، فى معان مختلفة:
إذا لم تكن لمقال النصيحسميعا ولا عاملا أنت به
ينبّهك الدهر من رقدة الملاهىوإن قلت لا أنتبه
وقال:
تفرّق الناس فى أرزاقهم فرقافلابس من ثراء المال أو عارى
كذا المعايش فى الدنيا وساكنهامقسومة بين أوعاث وأوعار
وقال:
حوى القدّ عمرا فقلت اعتقدرضا بالقضاء ولا تحتقد
فإمّا احتقدت قضاء الإلهفأقبح بمحتقد تحت قد
وقال:
تمّت محاسنه فما يزرى بهامع فضله ونمائه وكماله
إلا قصور وجوده عن جودهلا عون للرجل الكريم كماله
انصر أخاك إذا اجتداك فواسهوإن استغاثك واثقا بك ماله
وقال أيضا:
إذا تغدّيت صدر يومىثم تأذّيت بالغداء
فقلت إذ مسّنى أذاهأرى غدائى أراغ دائى
وله فى هذا [الصوغ]:
لنا صديق يجيد لقماراحتنا فى أذى قفاه
ما ذاق من كسبه، ولكنأذى قفاه أذاق فاه
وقال يهجو رجلا:
يريد يوسّع فى بيتهويأبى له الضيق فى صدره
فتى سخط النّصب فى قدرهكما رضى الخفض فى قدره
يخدّر أوصال أضيافهولا يبرز الخبز من خدره
وقال فى غير هذا المذهب يصف كتابا ورد عليه:
قد أتانا من صديق كلامكلآل زانهنّ نظام
فسرى فى القلب منى سرورمطرب يعجز عنه المدام
مثل ما يرتاح ربّ بناتحوله من جمعهن زحام
فرعى الله طويلا يرجىخلفا من نسله لا يذام
وأتاه بعد يأس بشيرقال يا بشراى هذا غلام
وقال يصف الشمع:
وليل كلون الهجر أو ظلمة الحبرنصبنا لراجيه عمودا من التّبر
يشقّ جلابيب الدّجى فكأنماترى بين أيدينا عمودا من الفجر
يحاكى رواء العاشقين بلونهوذوب حشاه والدّموع التى تجرى
خلا أن جارى الدمع ينحله قوىوعهدى بدمع العين ينحلّ إذ يجرى
تبدّى لنا كالغصن قدّا وفوقهشعاع كأنّا منه فى ليلة البدر
تحمّل نورا حتفه فيه كامنوفيه حياة الانس واللهو لو يدرى
إذا ما علته علّة جرّ رأسهفيختال فى ثوب جديد من العمر
وقال:
يا ربّ غصن نورهيزرى بنور الشفق
يظلّ طول عمرهيبكى بجفن أرق
نار المحب فى الحشاوناره فى المفرق
لاح لنا فى مغربفردّنا فى مشرق
وقال:
وقضيب من بنات النحلفى قدّ الكعاب
يشبه العاشق فى لون ودمع ذى انسكاب
كسى الباطن منهوهو عريان الإهاب
فإذا ما أنعم الأبدان ملبوس الثّياب
فهو للشقوة منهافى بلاء وعذاب
وقال كشاجم يصف شمعا أهداها [إلى بعض الملوك]:
[و] صفر من بنات النّحل تكسىبواطنها وأظهرها عوارى
عذارى يفتضضن من الأعالىإذا افتضت من السّفل العذارى
وأمست تنتج الأضواء حتّىتلقح فى ذوائبها بنار
كواكب لسن عنك بآفلاتإذا ما أشرقت شمس العقار
بعثت بها إلى ملك كريمشريف الأصل محمود النّجار
فأهديت الضياء بها إلى منمحاسنه تضىء لكل سارى
وقال:
يشقى الفتى بخلاف كلّ معانديؤذيه حتّى بالقذى فى مائه
يقذى إذا أصغى الإناء لشربهويروغ عنه عند سكب إنائه
وقال:
أطالب أيامى بإنجاز موعدىوها هى تلوى بالوفاء وتجمح
أقول عساها أن تلين لمطلبىقليلا فبعض الشوك بالمنّ يسمح
وقال:
أرى وصالك لا يصفو لآملهوالهجر يتبعه ركضا على الأثر
كالقوس أقرب سهميها إذا عطفتعليه أبعدها من منزع الوتر
أخذ هذا من قول ابن الرومى وذكر رجلا متلونا:
رأيتك بينا أنت خلّ وصاحبإذا بك قد ولّيتنا ثانيا عطفا
وأنك إذ أحنى حنوّك موجببعادا لمن بادلته الودّ واللطفا
لكالقوس أحنى ما تكون إذا انحنتعلى السهم أنأى ما تكون له قذفا
وله فى نحو ذلك:
تودّدت حتى لم أجد متودّداوأتعبت أقلامى عتابا مرددا
كأنى أستدعى لك ابن حنيّةإذا النزع أدناه من الصدر أبعدا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع