من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ألفاظ لأهل العصر فى ذكر الوطن
بلد لا تؤثر عليه بلدا، ولا تصبر عنه أبدا. هو عشّه الذى فيه درج، ومنه خرج. مجمع أسرته، ومقطع سرّته. بلد أنشأته تربته، وغذّاه هواؤه، وربّاه نسيمه، وحلّت عنه التمائم فيه.
قالوا: وكان الناس يتشوّقون إلى أوطانهم، ولا يفهمون العلّة فى ذلك، حتى أوضحها على بن العباس الرّومى فى قصيده لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التّجّار، يعرف بابن أبى كامل، أجبره على بيع داره واغتصبه بعض جدرها، بقوله:
ولى وطن آليت ألّا أبيعهوألّا أرى غيرى له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمةكنعمة قوم أصبحوا فى ظلالكا
وحبّب أوطان الرجال إليهممآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمعهود الصّبا فيها فخنّوا لذلكا
فقد ألفته النفس حتى كأنهلها جسد إن بان غودر هالكا
يقول له فيها:
وقد عزّنى فيها لئيم وسامنىفقال لى اجهد فىّ جهد احتيالكا
وما هو إلا نسجك الشّعر ضلّةوما الشعر إلّا ضلة من ضلالكا
بصير بتسآل الملوك، ولم يكنبعار على الأحرار مثل سؤالكا
وإنى وإن أضحى مدلّا بمالهلآمل أن أضحى مدلّا بمالكا
فإن لم تصبنى من يمينك نعمةفلا نخطئنه نقمة من شمالكا
فكم لقى العافون بدءا وعودةنوالك والعادون مر نكالكا
وقال على بن عبد الكريم النصيبى: أتانى أبو الحسن بن الرومى بقصيدته هذه، وقال: أنصفنى، وقل الحق: أيهما أحسن قولى فى الوطن أو قول الأعرابى:
أحبّ بلاد الله ما بين منعجإلىّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت علىّ تمائمىوأوّل أرض مسّ جلدى ترابها
فقلت: بل قولك؛ لأنه ذكر الوطن ومحبّته، وأنت ذكرت العلة التى أوجبت ذلك.
وقال ابن الرومى أيضا يتشوّق إلى بغداد، وقد طال مقامه بسرّ من رأى:
بلد صحبت به الشبيبة والصباولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل فى الضمير رأيتهوعليه أغصان الشباب تميد
وقال أبو العباس: ولما احتفل القائل فى هذا المعنى السابق إليه قال:
بلاد بها حلّ الشباب تمائمى
وقد تقدّم. وإذا كانت تمائمه قطعت بأبرق العزّاف، وكان التراب الذى مسّ جلده تراب جزيرة سيراف، وجب أن يحنّ إليه حنين المتأسفين على غوطة دمشق، وقصور مدينة السلام، ونجف الجزيرة، ومستشرف الخورنق، وجوسق سرّ من رأى، لمّا بعد عنها، وطال مقامه بغيرها، كلّا، ولكن هذا الرجل علم أن الحنين إلى الأوطان لما تذكّر من معاهد اللهو فيها، بجدّة الشباب الذى ذكر أنّ غول سكرته، يغطى على مقدار فضيلته، فى قوله:
لا تلح من يبكى شبيبتهإلّا إذا لم يبكها بدم
عيب الشبيبة غول سكرتهاومقدار ما فيها من النّعم
لسنا نراها حقّ رؤيتهاإلّا أوان الشيب والهرم
كالشمس لا تبدو فضيلتهاحتى تغشّى الأرض بالظّلم
ولربّ شىء لا يبيّنهوجدانه إلّا مع العدم
أخذها هذا من قول الطائى:
راحت وفود الأرض عن قبرهفارغة الأيدى ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت، إنمايعرف فقد الشمس بعد الغروب
وأخذ ابن الرومى قوله فى صفة الوطن من قول بشّار:
متى تعرف الدار التى بان أهلهابسعدى فإن العهد منك قريب
تذكّرك الأهواء إذ أنت يافعلديها فمغناها لديك حبيب
أو من قول بعض الأعراب:
ذكرت بلادى فاستهلّت مدامعىبشوقى إلى عهد الصبا المتقادم
حننت إلى أرض بها اخضرّ شاربىوقطّع عنى قبل عقد التمائم
وأنشد ثعلب لرجاء بن هرون العكى:
أحنّ إلى وادى الأراك صبابةلعهد الصّبا فيه ونذكار أول
كأنّ نسيم الريح فى جنباتهنسيم حبيب أو لقاء مؤمّل
قال أبو بكر الصولى: ولست أشكّ أنه من قول رجاء أخذ، وبه ألمّ، وعليه عوّل؛ لأنه فى تناوله المعنى غريب الأخذ، عائر السّهم، لا يعارض معنى معروفا إذا أنشد علم الناس أنه معدنه الذى انتحته منه.
وقد اختلس معنى قول ابن الرومى:
فقد ألفته النفس حتى كأنهلها جسد إن بان غودر هالكا
أخذه على بن محمد الإيادى وقال فأحسن الأخذ ولطف فى السرقة:
بالجزع فالخبتين أشلاء دارذات ليال قد تولّت قصار
بانوا فماتت أسفا بعدهموإنما الناس نفوس الديار
وقال أعرابى:
أيا حبذا نجد وطيب ترابهتصافحه أيدى الرياح الغرائب
وعهد صبا فيه ينازعك الهوىبذلك أتراب. عذاب المشارب
تنال المنى منهنّ فى كل مطلبعذاب الثنايا واردات الذوائب
وقال ابن ميّادة يخاطب الوليد بن يزيد.
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلةبحرّة ليلى خيت ربّتنى أهلى
بلاد بها نيطت علىّ تمائمىوقطّعن عنى حين أدركنى عقلى
فإن كنت عن تلك المواطن مانعىقأفش علىّ الزرق واجمع إذ اشملى
وقال سوار بن الصرير، ورويت لمالك بن الريب:
سقى الله اليمامة من بلادنوائحها كأرواح الغوانى
وجوّا زاهرا للريح فيهنسيم لا يروع الترب وانى
به سقت الشباب إلى زمانيقبح عندنا حسن الزمان
وقال أعرابى:
أقول لصاحبى والعيس تخدىبنابين المنيفة فالضّمار
تمتّع من شميم عرار نجدفما بعد العشيّة من عرار
ألا يا حبّذا نفحات نجدوريّا روضه غبّ الفطار
[وأهلك إذ يحلّ القوم نجداوأنت على زمانك غير زار]
شهور ينقضين وما شعرنابأنصاف لهن ولا سرار
وهذا البيت كقول الآخر:
سقى الله أياما لنا قد تتابعتوسقيا لعصر العامريّة من عصر
ليالى أعطيت البطالة مقودىتمرّ الليالى والشهور ولا أدرى
وتخلّف سليمان عن نصرة ابن الرومى؛ فذاك الذى هاجه على هجائه، فمن ذلك قوله، وقد خرج فى بعض الوجوه فرجع مهزوما:
جاء سليمان بنى طاهرفاجتاح معتزّ بنى المعتصم
كأن بغداد وقد أبصرتطلعته نائحة تلتدم
مستقبل منه ومستدبروجه بخيل وقفا منهزم
وقال:
قرن سليمان قد أضرّ بهشوق إلى وجهه سيتلفه
كم يعد القرن باللقاء وكميكذب فى وعده ويخلفه
لا يعرف القرن وجهه ويرىقفاه من فرسخ، فيعرفه
وقد أخذ هذا المعنى من قول بعض الخوارج، وقد قال له أبو جعفر المنصور:
أخبرنى أى أصحابى كان أشدّ إقداما فى مبارزتك، فقال: ما أعرف وجوههم، ولكننى أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا أعرّفك.
وفى هذه المنازعة يقول ابن الرّومى لمواليه بنى هاشم وكان ولاؤه لعبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور:
تخذتكم درعا علىّ لتدفعوانبال العدى عنى فكنتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير ناصرعلى حين خذلان اليمين شمالها
فإن أنتم لم تحفظوا لمودّتىذماما فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا موقف المعذور عنى بمعزلوخلّوا نبالى والعدا ونبالها
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع