من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
استنجاز أعرابى موعدة
قال عبيد الله بن محمد بن صدقة: كنّا عند أبى عبيد الله، فدخل عليه أعرابى قد كان له عليه وعد، فقال له: أيها الشيخ السيد، إنى والله أتسحّب على كرمك، وأستوطىء فراش مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك؛ وقد مضى لى موعدان، فاجعل النّجح ثالثا، أقد لك الشّكر فى العرب شادخ الغرّة، بادى الأوضاح.
فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريرا، ولا أخّرتك تقصيرا، ولكن الأشغال تقطعنى، وتأخذ بأوفر الحظّ منى، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية، ومنتهى الوسع بأوفر مأمول، وأحمد عاقبة، وأقرب أمد، إن شاء الله تعالى فقال الأعرابى: يا جلساء الصّدق، قد أحصرنى التطول، فهل من معين منجد ومساعد منشد؟ فقال بعض أحداث الكتاب لأبى عبيد الله: والله- أصلحك الله- لقد قصدك، وما قصدك حتى أمّلك، وما أمّلك إلا بعد أن أجال النظر، فأمن الخطر، وأيقن بالظّفر، فحقق له أمله بتهيئة القليل، وتهنئة التعجيل. قال الشاعر:
إذا ما اجتلاه المجد عن وعد آملتبلّج عن بشر ليستكمل البشرا
ولم يثنه مطل العداة عن التىتصون له الحمد الموفّر والأجرا
فأحضر أبو عبيد الله للأعرابى عشرة آلاف درهم، وقال الأعرابى للفتى:
خذها فأنت سببها. فقال: شكرك أحبّ إلىّ منها، فقال له أبو عبيد الله: خذها فقد أمرنا له بمثلها. فقال الأعرابى: الأن كملت النعمة، وتمّت المنة.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع