تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

فضل الشعر (٢)

ولما امتدح نصيب عبد الله بن جعفر رضى الله عنه أمر له بإبل وخيل، وثياب ودنانير ودراهم، قال له رجل: أتعطى لمثل هذا العبد الأسود هذا العطاء؟ فقال: إن كان أسود فإن شعره أبيض، وإن كان عبدا فإن ثناءه لحرّ، ولقد استحق بما قال أكثر مما أعطى وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى، وما لا يفنى، ومطايا تنضى، وأعطانا مديحا يروى، وثناء يبقى.

وقال الأخطل يعتدّ على بنى أمية بمدحه لهم:

أبنى أمية إن أخذت نوالكمفلما أخذتم من مديحى أكثر
أبنى أمية لى مدائح فيكمتنسون إن طال الزمان وتذكر

ولما مدح أبو تمام الطائى محمد بن حسان الضبى بقصيدته التى أولها:

أسقى طلولهم أجشّ هزيموغدت عليهم نضرة ونعيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»

وصله بمال كثير، وخلع عليه خلعة نفيسة، فقال يصفها:

قد كسانا من كسوة الصيف خرقمكتس من مكارم ومساع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد كسانا من كسوة الصيف خرق»
حلّة سا بريّة وكساءكسحا القيض أو رداء الشجاع
كالسراب الرقراق فى الحسن، إلّاأنه ليس مثله فى الخداع
قصبيّا تسترجف الريح متنيهـ بأمر من الهبوب مطاع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد كسانا من كسوة الصيف خرق»
رجفانا كأنه الدهر منهكبد الصبّ أو حشى المرتاع»
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد كسانا من كسوة الصيف خرق»
لازما ما يليه تحسبه جزءامن المتنين والأضلاع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد كسانا من كسوة الصيف خرق»
كسوة من أغرّ أروع رحب الصّدررحب الفؤاد رحب الذّراع
سوف أكسوك ما يعفّى عليهامن ثناء كالبرد برد الصّناع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد كسانا من كسوة الصيف خرق»
حسن هاتيك فى العيون، وهذاحسنه فى القلوب والأسماع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد كسانا من كسوة الصيف خرق»

فقال: لعنة الله علىّ إن بقى عندى ثوب أو يصل إلى أبى تمام؛ وأمر بحمل ما فى خزائنه إليه.

قال إبراهيم بن العبّاس الصولى لأبى تمام: [أمراء] الكلام يا أبا تمام رعيّة لإحسانك، قال: [ذاك] لأنى أستضىء بنورك، وأرد شريعتك.

وكان الطائى مع جودة شعره بليغ الخطاب، حاضر الجواب، وكان يقال:

ثنتان قلّما يجتمعان: اللسان البليغ، والشعر الجيد.

وقال الحسن بن جنادة الوشّاء: انصرف أبو تمام من عند بعض أصحاب السلطان، فوقف علىّ، فقلت: من أين؟ فقال: كنت عند بعض الملوك فأكلنا طعاما طيّبا، وفاكهة فاضلة، وبخرّنا وغلّفنا؛ فخرجت هاربا من المجلس، نافرا إلى التسلى، وما فى منزلى نبيذ [فإن كان عندك منه شىء فامنحنى، فقلت: ما عندى نبيذ]، ولكن عندى خمر أريده لبعض الأدوية، فقال: دع اسمه، وأعطنا جسمه، فليس يثنينا عن المدام، ما هجّنته به من اسم الحرام..

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.