تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

ألفاظ لأهل العصر، فى ذكر الاستطالة والكبر

مع ما يشاكل ذلك من معانيها، ويطرق نواحيها من المساوى والمقابح فلان لسانه مقراض للأعراض، لا يأكل خبزه إلا بلحوم الناس. هو غرض يرشق بسهام الغيبة، وعلم يقصد بالوقيعة، قد تناولته الألسن العاذلة، وتناقلت حديثه الأندية الحافلة. قد لزمه عار لا يمحى رسمه، ولزمه شنار لا يزول وسمه، فأصبح [نقل كلّ لسان، وضحكة كل إنسان، وصار دولة الألسن، ومثلة الأعين. وقد عرّض عرضه] غرضا لسهام الغائبين، وألسنة القاذفين، وقلّد نفسه عظيم العار والشّنار، والسّبّة الخالدة على الليل والنهار. قد أسكرته خمرة الكبر، واستغرقته عرّة التّيه، كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأنّ يوسف لم ينظر إلا بطلعته، [وداود لم ينطق إلّا بنغمته]، ولقمان لم يتكلم إلا بحكمته، والشمس لم تطلع إلا من جبينه، والغمام لم يند إلا من يمينه، وكأنه امتطى السّماكين، وانتعل الفرقدين، وتناول النّيّرين بيدين، وملك الخافقين، واستعبد الثقلين، وكأن الخضراء له عرشت، والغبراء باسمه فرشت.

فلان له من الطاوس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، قد هبّت سمائم نمائمه، ودبّت مكايد عقاربه، والنمام يضرب بسيف كليل إلا أنه يقطع، ويضرب بعضد واهن إلا أنه يوجع.

هو تمثال الجبن، وصورة الخوف، ومقرّ الرعب؛ فلو سمّيت له الشجاعة لخاف لفظها قبل معناها، وذكرها قبل فحواها، وفزع من اسمها دون مسماها، فهو يهلك من تخوفه أضغاث أحلام، فكيف بمسموع الكلام؟ إذا ذكرت السيوف لمس رأسه هل ذهب، ومسّ جبينه هل ثقب؟ كأنه أسلم فى كتّاب الجبن صبيّا، ولقّن كتاب الفشل أعجميا. وعده برق خلّب، وروغان ثعلب. غيم وعده جهام، وحدّ سيفه كهام. حصلت منه على مواعيد عرقوبية، وأحزان يعقوبية، قد حرمنى ثمر الوعد، وجرّنى على شوك المطل. فتى له وعد أخذ من البرق الخلّب خلقا، وقد تناول من العارض الجهام طبعا، وتركنى أرعى رياض رجاء لا ينبت، وأجنى ثمار أمل لا يورق؛ فأنا فى ضمان الانتظار، وإسار عدة ضمار.

هو يرسل برقه، ولا يسيل ودقه، ويقدم رعده، فلا يمطر بعده. وعده الرقم على بساط الهواء، والخطّ فى بسيط الماء.

حلّ هذا من قول أبى الفضل بن العميد:

لا أستفيق من الغرام، ولا أرىخلوا من الأشجان والبرحاء
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
وصروف أيام أقمن قيامتىبنوى الخليط وفرقة القرناء
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
وجفاء خلّ كنت أحسب أنّهعونى على السراء والضرّاء
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
ثبت العزيمة فى العقوق، وودّهمتنقل كتنقّل الأحياء
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
ذى خلة يأتيك أثبت عهدهكالخطّ يرسم فى بسيط الماء

أردت هذا البيت.

هو صخرة خلقاء، لا يستجيب للمرتقى، وحيّة صمّاء لا تسمع للرّقى، كأنى أستنفر بالجوّ رعدا، وأهزّ منه بالدعاء طودا، هو ثابت العطف [نابى العطف]، عاجز القوة، قاصر المنّة، يتعلّق بأذناب المعاذير، ويحيل على ذنوب المقادير. هو كالنعامة تكون جملا إذا قيل لها طيرى، وطائرا إذا قيل لها سيرى.

يفاض له بذل، ولا يفوّض إليه شغل، ويملأ له وطب، ولا يدفع به خطب، قد وفر همّه على مطعم يجوّده، وملبس يجوّده، ومرقد يمهّده، وبنيان يشيّده، هذا كقول الخطيئة:

دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

قلب نغل، وصدر دغل، وطويّة معلولة، وعقيدة مدخولة، صفوه رنق، وبرّه ملق، قد ملىء قلبه رينا، وشحن صدره مينا، يدّعى الفضل وهو فيه دعىّ، دأبه بثّ الخدائع، والنّفث فى عقد المكايد، ضميره خبث، ويمينه حنث، وعهده نكث. هو سحابة صيف، وطارق ضيف، قوته غنيمة، والظفر به هزيمة. هو العود المركوب، والوتر المضروب، يطؤه الخفّ والحافر، ويستضيمه الوارد والصادر. [يغمض عن الذكر]، ويصغر عن الفكر. ذاته لا يوسم أغفالها، وصفته لا تنفرج أقفالها. هو أقلّ من تبنة فى لبنة، ومن قلامة فى قمامة. وهو بيذق الشّطرنج فى القيمة والقامة، جهله كثيف، وعقله سخيف، لا يستتر من العقل بسجف، ولا يشتمل إلّا على سخف. يمدّ يد الجنون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع به قفا العقل. لا تزال الأخبار تورد سفائح جهله وخرقه، والأنباء تنقل نتائج سخفه وحمقه، قد ظلّ يتعثّر فى فضول جهله، ويتساقط فى ذيول عقله. هو سمين المال مهزول النّوال. ثروة فى الثريا وهمّة فى الثّرى.

وجهه كهول المطلع، وزوال النّعمة، وقضاء السّوء، وموت الفجاءة. هو قذى العين، وشجى الصّدر، وأذى القلب، وحمّى الروح، وجهه كآخر الصك، وظلم الشكّ، كأنّ النحس يطلع من جبينه، والخلّ يقطر من وجنته. وجهه طلعة الهجر، ولفظه قطع الصّخر. وجهه كحضور الغريم، ووصول الرقيب، وكتاب العزل، وفراق الحبيب. له من الدينار نضرته، ومن الورد صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته. هو عصارة لؤم فى قرارة خبث.

ألأم مهجة فى أسقط جثّة. حديث النّعمة، خبيث الطعمة، خبيث المركب، لئيم المنتسب، يكاد من لؤمه يعدى من جلس إلى جنبه، أو تسمّى باسمه. قد أرضع بلبان اللّؤم، وربّى فى حجر الشؤم، وفطم عن ثدى الخير، ونشأ فى عرصة الخبث، وطلّق الكرم ثلاثا لم ينطق فيه استثناء، وأعتق المجد بتاتا لم يستوجب عليه ولاء. هو حماز مبطّن بثور مفروز بتيس، مطرّز بطرر، [أتى من اللؤم بنادر]، لم تهتد له قصة مادر. هو قصير الشبر، صغير القدر، قاصر القدر، ضيّق الصّدر، ردّ إلى قيمة مثله فى خبث أصله، وفرط جهله، لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه، سائله محروم، وماله مكتوم؛ لا يحين إنفاقه، ولا يحلّ خناقه. خيره كالعنقاء تسمع بها ولا ترى. خبزه فى حالق، وإدامه فى شاهق. غناه فقر، ومطبخه قفر، يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضائع، قد أطاع سلطان البخل وانخرط كيف شاء فى سلكه. هو ممن لا يبضّ حجره، ولا يثمر شجره، سكّيت الحلبة، وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة. لعنة العائب، وعرضة الشاهد والغائب. هو عيبة العيوب، وذنوب الذّنوب. وقال أبو الفضل الميكالى:

وطلعة بقبحها قد شهرتتحكى زوال نعمة ما شكرت
للشاعر الميكالي، من قصيدة «وطلعة بقبحها قد شهرت»
كأنّها عن لحمها قد قشرتأقبح بها صحيفة قد نشرت
عنوانها إذا الوحوش حشرتيلعنها ما قدّمت وأخّرت
للشاعر الميكالي، من قصيدة «وطلعة بقبحها قد شهرت»
صاحبها ذو عورة لو سترتإن سار يوما فالجبال سيّرت
للشاعر الميكالي، من قصيدة «وطلعة بقبحها قد شهرت»

أو رام أكلا فالجحيم سعّرت

ويختص بهذه الأنواع رسالة بديع الزمان إلى القاضى على بن أحمد يشكو أبا بكر الحيرى القاضى ويذمّه- وقد أطلت عنان الاختيار فيها لصحّة مبانيها، وارتباط ألفاظها بمعانيها:

الظّلامة- أطال الله بقاء القاضى- إذا أتت من مجلس القضاء، لم ترق إلّا إلى سيّد القضاة. وما كنت لأقصر سيادته على الحكام، دون سائر الأنام، لولا اتصالهم بسببه، واتّسامهم بلقبه، وهبهم مطفّلين على قسمه، مغيرين على اسمه، ألهم فى الصحة أديم كأديمه، أو قديم فى الشرف كقديمه، أو حديث فى الكرم كطريفه؛ فهنيئا لهم الأسماء، وله المعانى، ولا زالت لهم الظواهر، وله الجواهر. ولا غرو أن يسمّوا قضاة، فما كلّ مائع ماء، ولا كلّ سقف سماء، ولا كلّ سيرة عدل العمرين، ولا كلّ قاض قاضى الحرمين، ويالثارات القضاء! ما أرخص ما بيع، وأسرع ما أضيع! والسنة الإنذار، قبل خلو الديار، وموت الخيار، ألا يغار لحلى الحسناء، على السوداء، ومركب أولى السياسة، تحت السّاسة، ومجلس الأنبياء، من تصدّر الأغبياء، وحمى البزاة من صيد البغاث، ومرتع الذكور من تسلّط الإناث؟ ويا للرجال، وأين الرجال! ولى القضاء من لا يملك من آلاته غير السّبال، ولا يعرف من أدواته غير الاعتزال، ولا يتوجّه

فى أحكامه إلا إلى الاستحلال، [ولا يرى التفرقة إلا فى العيال] ولا يحسن من الفقه غير جمع المال، [ولا يتقن من الفرائض إلا قلة الاحتفال، وكثرة الافتعال] ولا يدرس من أبواب الجدال إلا قبيح الفعال، وزور المقال، ذاك أبو بكر القاضى، أضاعه الله كما أضاع أمانته، وخان خزانته، ولاحاطه من قاض فى صولة جندى، وسبلة كردى ... إلى أن قال: أيكفى أن يصبح المرء بين الزقّ والعود، ويمسى بين موجبات الحدود، حتى يكمل شبابه، وتشيب أترأبه. ثم يلبس دنيّته، ليخلع دينيّته، ويسوى طيلسانه، ليحرف يده ولسانه، ويقصر سباله، ليطيل حباله، ويظهر شقاشقه، لبستر مخارقه، وببيّض لحيته، ليسوّد صحيفته، ويبدى ورعه، ليخفى طمعه، ويغشى محرابه، ليملأ جرابه، ويكثر دعاءه، ليحشو وعاءه، ثم يخدم بالنهار أمعاءه، ويعالج بالليل وجعاءه، ويرجو أن يخرج من بين هذه الأحوال عالما، ويقعد حاكما؟ هذا إذا المجد كالوه بقفزان وباعوه فى سوق الخسران! هيهات حتى ينسى الشهوات، ويجوب الفلوات، ويعتضد المحابر، ويحتضن الدفاتر، وينتج الخواطر، ويحالف الأسفار، ويعتاد القفار، ويصل الليلة باليوم، ويعتاض السهر من النوم، ويحمل على الروح، ويجنى على العين، وينفق من العيش، ويخزن فى القلب، ولا يستريح من النظر إلا إلى التحديق، ولا من التحقيق إلا إلى التعليق؛ وحامل هذه الكلف إن أخطأه رائد التوفيق، فقد ضلّ سواء الطريق، وهذا الحيرىّ رجل قد شغله طلب الرياسة عن تحصيل آلاتها، وأعجله حصول الأمنية عن تمحل أدواتها:

والكلب أحسن حالةوهو النهاية فى الخساسه
ممن تصدّى للرياسة قبل إبّان الرياسه

فولّى المظالم وهو لا يعرف أسرارها، وحمل الأمانة وهو لا يدرى مقدارها؛ والأمانة عند الفاسق خفيفة المحمل على العاتق، تشفق منها الجبال، ويحملها الجهّال، وقعد مقعد رسول الله ﷺ بين حديثه يروى، وكتاب الله يتلى، وبين البينة والدعوى، فقبّحه الله تعالى من حاكم لا شاهد عنده أعدل من السّلّة والجام، يدلى بهما إلى الحكّام، ولا مزكى أصدق لديه من الصّفر، ترقص على الظفر، ولا وثيقة أحبّ إليه من غمزات الخصوم، على الكيس المختوم، ولا كفيل أوقع بوفاقه من خبيئة الذّيل، وحمال الليل، ولا وكيل أعز عليه من المنديل والطبق، فى وقت الغسق والفلق، ولا حكومة أبغض إليه من حكومة المجلس، ولا خصومة أوحش لديه من خصومة المفلس، ثم الويل للفقير إذا ظلم، فما يغنيه موقف الحكم إلا بالقتل من الظلم، ولا يجيره مجلس القضاء إلا بالنار من الرمضاء. وأقسم لو أن اليتيم وقف بين أنياب الأسود، بل الحيات السّود، لكانت سلامته منهما أرجى من سلامته إذا وقع من هذا القاضى بين عقاربه وأقاربه؛ وما ظنّ القاضى بقوم يحملون الأمانة على متونهم، ويأكلون النار فى بطونهم، حتى تغلظ قصراتهم من مال اليتامى، وثسمن أكفالهم من مال الأيامى، وما رأيه فى دار عمارتها خراب الدور، وعطلة القدور، وخلاء البيوت، من الكسوة والقوت، وما قوله فى رجل يعادى الله فى الفلس، ويبيع الدّين بالثمن البخس، وفى حاكم يبرز فى ظاهر أهل السّمت، وباطن أصحاب السبت، فعله الظلم البحت، وأكله الحرام السّحت. وما قوله فى سوس لا يقع إلا على صوف الأيتام؛ وجراد لا يقع إلا على الزرع الحرام، ولصّ لا ينقب إلا خزانة الأوقاف، وكردى لا يغير إلا على الضعاف، وليث لا يفترس عباد الله إلا بين الركوع والسجود، وخارب لا ينهب مال الله إلا بين العهود والشهود.

وذكر فى هذه الرسالة فصلا فى ذكر العلم- وهو مستطرف البلاغة، مستعذب البراعة- قال:

والعلم- أطال الله بقاء القاضى- شىء كما تعرفه، بعيد المرام، لا يصاد بالسّهام، ولا يقسم بالأزلام؛ ولا يرى فى المنام [ولا يضبط باللجام، ولا يورث عن الأعمام، ولا يكتب للئام]، وزرع لا يزكو حتى يصادف من الحزم ثرى طيبا، ومن التوفيق مطرا صيّبا؛ ومن الطبع جوّا صافيا، ومن الجهد روحا دائما، ومن الصبر سقيا نافعا، والعلم علق لا يباع ممن زاد، وصيد لا يألف الأوغاد، وشىء لا يدرك إلّا بنزع الروح، وعون الملائكة والرّوح، وغرض لا يصاب إلا بافتراش المدر، واتّساد الحجر، وردّ الضجر، وركوب الخطر، وإدمان السهر، واصطحاب السفر، وكثرة النظر، وإعمال الفكر، ثم هو معتاص إلا على من زكا زرعه، وخلا ذرعه، [وكرم أصله وفرعه، ووعى بصره وسمعه]، وصفا ذهنه وطبعه، فكيف يناله من أنفق صباه على الفحشاء؛ وشبابه على الأحشاء، وشغل نهاره بالجمع، وليله بالجماع، وقطع سلوته بالغنى، وخلوته بالغناء، وأفرغ جده على الكيس، وهزله فى الكأس؛ والعلم ثمر لا يصلح إلا للغرس، ولا يغرس إلا فى النفس، وصيد لا يقع إلا فى الندر، ولا ينشب إلّا فى الصدر، وطائر لا يخدعه إلّا قنص اللفظ، ولا يعلقه إلّا شرك الحفظ [ولا ينشب إلّا فى الصدر،] وبحر لا يخوضه الملّاح، ولا تطيقه الألواح، ولا تهيجه الرياح، وجبل لا يتسنم إلا بخطا الفكر، وسماء لا يصعد إلا بمعراج الفهم، ونجم لا يلمس إلا بيد المجد.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.