تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

لوعة الشوق

وقال أحمد بن يوسف:

كتب غلام من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان، إلى آخر منهم وكان قد علق به، وكان شديد الكلف به والمحبّة له: ليس من قدرى- أدام الله سعادتك- أن أقول لمثلك جعلت فداك؛ لأنى أراك فوق كلّ قيمة خطيرة وثمن معجز، ولأنّ نفسى لا تساوى نفسك، فتقبل فى فديتك، وعلى كل حال؛ فجعلنى الله فداء ساعة من أيامك، اعلم أيها السيد العلىّ المنزلة، أنه لو كان لعبدك من شدة الخطب أمر يقف على حدّه النعت، لاجتهدنا أن يضعف

من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قلبك، وتحنو له على الرّقة به والتحفّى أثناء جوانحك، ولكن الذى أمسيت وأصبحت ممتحنا به فيه شسع على كل بيان، ونزح عن كلّ لسان؛ والحب أيها المالك لم يشبه قذى ريبة، ولم يختلط به قلب معاب، فلا ينبغى لمن كرمت أخلاقه أن يعاف مقاربة صاحبه المدل بحرمة نيته، والذى أتمناه أيها المولى اللطيف مجلس أقف فيه أمامك، ثم أبوح بما أضنى جسدى، وفتّ كبدى، فإن خفّ ذلك عليك ورأيت نشاطا من نفسك إليه كنت كمن فكّ أسيرا وأبرأ عليلا، ومن الخير سلك سبيلا، يتوعّر سلوكها على من كان قبله، ومن يكون بعده؛ ثم أضاف إلى ذلك منّة لا يطيقها جبل راس، ولا فلك دائر، فرأيك أيها السيد المعتمد فى الإسعاف، قبل أن يبدرنى الموت؛ فيحول بينى وبين ما نزعت إليه النفس مواصلا برّا إن شاء الله تعالى.

فأجابه: تولّي الله تعالى ما جرى به لسانك بالمزيد، ولا أوحش ما بيننا بطائر فرقة، ولا صافر تشتّت، وضمّنا وإياك فى أوثق حبال الأنس، وأوكد أسباب الألفة؛ وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامر قلبك، وانطوى فى ضميرك، من الشّغف المقلق، والهوى المضرع، ولعمرى لو كشفت لك عن معشار ما اشتمل عليه مضمر صدرى لأيقنت أنّ الذى عندك إذا قسته إلى ما عندى كالمتلاشى البائد، ولكنك بفضل الإنعام سبقتنا إلى كشف ما فى الضمير.

وأما طاعتى لك، وذمامى إليك؛ فطاعة العبد المقتنى، الطائع لما يحكم له وعليه مولاه ومالكه، وأنا صائر إليك وقت كذا؛ فتأهّب لذلك بأحمد عافية، وأتمّ عقدة، وأسعد نجم جرى بالألفة، إن شاء الله تعالى.

وكتب بعض الكتّاب: إنى لأكره أن أفديك بنفسى استحياء من التقصير

فى المعاوضة، ومن التخلّف فى الموازنة، وعلى الأحوال كلّها، فقدّم الله روحى عنك، وصاننى عن رؤية المكروه فيك.

وقال المتنبى:

فدى لك من يقصّر عن مداكافلا ملك إذن إلّا فداكا
ولو قلنا فدى لك من يساوىدعونا بالبقاء لمن قلاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
وآمنّا فداءك كلّ نفسوإن كانت لمملكة ملاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

[وقال عبيد الله بن شبيب: كتب إلىّ بعض إخوانى من أهل البصرة كتابا ملح فيه وأوجز، وهو: أطال الله بقاءك، كما أطال خباءك، وجعلنى فداك إن كان فىّ فداؤك.

كتبت ولو قدرت هوى وشوقاإليك لكنت سطرا فى كتابى]

وكتب آخر إلى إبراهيم وأحمد ابنى المدبّر، وقد أصابتهما محنة ثم أردفتها نعمة: لو قبلت فيكما، ودانيت قدريكما، لقلت: جعلنى الله فداكما، ولكنى لا أجزى عنكما، فلا أقبل بكما، وقد بلغتنى المحنة التى لو مات إنسان غمّا بها لكنته [ثم اتصلت النعمة التى لو طار امرؤ برحابها لكنته] وكتب تحته:

وليس بتزويق اللسان وصوغهولكنّه قد خالط اللّحم والدّما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أكلثم فكي عانيا بك مغرما»

وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذر فى ترك مكاتبته بالتفدية [الله يعلم، وكفى به عليما، لقد وددت مكاتبتك بالتفدية] فرأيت عيبا أن أفديك بنفس لابدّ لها من فناء، ولا سبيل لها إلى بقاء، ومن أظهر لك شيئا وأضمر لك خلافه فقد غشّ؛ والأمر إذا كانت الضرورة توجب أنه ملق لا يحقق، وإعطاء لا يتحصّل، لم يجب أن يخاطب به مثلك، وإن كان عند قوم نهاية من نهايات التعظيم، ودليلا من دلالات الاجتهاد، وطريقا من طرق التقرّب.

قال الزبير بن أبى بكر: قال لى مسلمة بن عبد الله بن جندب الهذلى: خرجت أريد العقيق ومعى زيّان السوّاق؛ فلقينا نسوة فيهن امرأة لم أر أجمل منها فأنشدت بيتين لزيّان:

ألا يا عباد الله هذا أخوكمقتيل، فهل فيكم له اليوم ثائر؟
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «فكيف بها لا الدار عنها قريبة»
خذوا بدمى، إن متّ، كلّ خريدةمريضة جفن العبن والطّرف ساحر

ثم قال: شأنك بها يابن الكرام فالطلاق له لازم إن لم يكن دم أبيك فى نقابها. فأقبلت علىّ وقالت: أنت ابن جندب؟ فقلت: نعم. قالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم لنفسك، واحتسب أباك.

قال أبو عبيدة: قال رجل من فزارة لرجل من بنى عذرة: تعدّون موتكم من الحبّ مزية، وإنما ذاك من ضعف المنّة، وعجز الروية. فقال العذرى:

أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالأعين الدّعج، فوقها الحواجب الزّج، [وتحتها المباسم الفلج]، والشّفاه السّمر، تفترّ عن الثنايا الغرّ، كأنها برد الدّر، لجعلتموها اللات والعزّى، ورفضتم الإسلام وراء ظهوركم:

وقال أعرابى: دخلت بغداد فرأيت فيها عيونا دعجا، وحواجب زجّا، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب.

وذكر أعرابى نساء فقال: ظعائن فى سوالفهن طول، غير قبيحا العطول، إذا مشين أسبلن الذيول، وإن ركبن أثقلن الحمول.

ووصف آخر نساء فقال: يتلثّمن على السبائك، ويتّشحن على النيازك، ويتّزرن على العواتك، ويرتفقن على الأرائك، ويتهادين على الدّرانك، ابتسامهن وميض، عن ثغر كالإغريض، وهن إلى الصّبا صور، وعن الخناحور.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.