تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

وصف الهوى، وأمره

سئل بعض الحكماء عن الهوى، فقال: هو جليس ممتع، وأليف مؤنس، أحكامه جائزة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس وآراءها، وأعطى زمام طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه.

وسئلت أعرابية عن الهوى فقالت: لامتّع الهوى بملكه، ولا ملّى بسلطانه، وقبض الله يده، وأوهن عضده؛ فإنه جائر لا ينصف فى حكم، أعمى ما ينطق بعدل، ولا يقصر فى ظلم، ولا يرعوى للوم، ولا ينقاد لحقّ، ولا يبقى على عقل ولا فهم، لو ملك الهوى وأطيع لردّ الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها.

ووصف أعرابى الهوى فقال: هوداء تدوى به النفوس الصّحاح، وتسيل منه الأرواح، وهو سقم مكتتم، وجمر مضطرم؛ فالقلوب له منضجة، والعيون ساكنة قال [أبو] عبيد الله بن محمد بن عمران المرزبانى: أخبرنى المظفر بن يحيى، قال:

أحبّ رجل امرأة دونه فى القدر، فعذله عمّه، فقال: يا عمّ، لا تلم مجبرا على سقمه؛ فإن المقر على نفسه مستغن عن منازعة خصمه، وإنما يلام من اقترف ما يقدر على تركه، وليس أمر الهوى إلى الرأى فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره؛ بل قدرته أغلب، وجانبه أعزّ من أن تنفذ فيه حيلة حازم، أو لطف محتال.

وقال بعضهم: رأيت امرأتين من أهل المدينة تعاتب إحداهما الأخرى على هوى لها، فقالت: إنه يقال فى الحكمة الغابرة، والأمثان السائرة: لا تلومنّ من أساء بك الظنّ إذا جعلت نفسك هدفا للتهمة، ومن لم يكن عونا على نفسه مع خصمه لم يكن معه شىء من عقدة الرأى، ومن أقدم على هوى وهو يعلم

ما فيه من سوء المغبّة سلط على نفسه لسان العذل، وضيع الحزم. فقالت المعذولة؛ ليس أمر الهوى إلى الرأى فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره، وهو أغلب قدرة، وأمنع جانبا من أن تنفذ فيه حيلة الحازم، أو ما سمعت قول الشاعر:

ليس خطب الهوى بخطب يسيرلا ينّبيك عنه مثل خبير
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
ليس أمر الهوى يدبّر بالرّأى ولا بالقياس والتفكير
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
إنما الأمر فى الهوى خطراتمحدثات الأمور بعد الأمور
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

قال المرزبانى: أخبرنى الصولى أنّ هذه الأبيات لعلية بنت المهدى، ولها فيها لحن.

وقيل لعبد الله بن المقفع: ما بال العاقل المميز الذهن، واللبيب الفطن، يتعرض للحب وقد رأى منه مواضع الهلكة، ومصارع التّلف، وعلم ما يؤول إليه عقباه، وترجع به أخراه على أولاه؟ فقال: زخرف ظاهر العشق بجمال زينة يستدعى القلوب إلى ملامسته، وملّى بعاجل حلاوة يطّبى النفوس إلى ملابسته، كظاهر زخرف الدنيا، وبهاء رونقها، ولذيذ جنى ثمرها، وقد سكرت أبصار قلوب أبنائها عن النظر إلى قبيح عيوب أفعالها، فهم فى بلائها منغمسون، وفى هلكة فتنتها متورّطون، مع علمهم بسوء عواقب خطبها، وتجرّع مرارة شربها، وسرعة استرجاعها ما وهبت، وإخراجها ممّا ملكت، فليس ينجو منها إلا من حذرها، ولا يهلك فيها إلا من أمنها، وكذلك صورة الهوى؛ هما فى الفتنة سواء.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.