تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من جيد كلام الأعراب

وقال سفيان بن عيينة: سمعت أعرابيا يقول عشية عرفة: اللهم لا تحرمنى خير ما عندك لشرّ ما عندى، وإن لم تتقبّل تعبى ونصبى فلا تحرمنى أجر المصاب على مصيبته.

وقال آخر منهم لصديق استبطأه فلامه: كانت لى إليك زلّة يمنعنى من ذكرها ما أمّلت من تجاوزك عنها، ولست أعتذر إليك منها إلا بالإقلاع عنها.

وقال آخر لابن عم له: والله ما أعرف تقصيرا فأقلع، ولا ذنبا فأعتب، ولست أقول: إنك كذبت، ولا إننى أذنبت.

وقال آخر لابن عم له: سأتخّطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين، ومن الآخر على شكّ، لتتمّ النعمة منى إليك، وتقوم الحجّة لى عليك.

وأصيب أعرابىّ بابن له فقال- وقد قيل له: اصبر- أعلى الله أتجلّد، أم فى مصيبتى أتبلّد؟ والله للجزع من أمره أحبّ إلىّ الآن من الصبر! لأن الجزع استكانة، والصبر قساوة، ولئن لم أجزع من النقص لا أفرح بالمزيد.

ودعا أعرابى فقال: اللهم إنى أعوذ بك أن افتقر فى غناك، أو أضلّ فى هداك، أو أذلّ فى عزّك، أو أضام فى سلطانك، أو أضطهد والأمر إليك.

قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يعظ رجلا وهو يقول: ويحك! إنّ فلانا وإن ضحك إليك، فإنه يضحك منك، ولئن أظهر الشفقة عليك، إنّ عقاربه لتسرى إليك؛ فإن لم تتخذه عدوّا فى علانيتك، فلا تجعله صديقا فى سريرتك.

سمع أعرابىّ رجلا يقع فى السلطان، فقال: إنك غفل لم تسمك التجارب، وفى النصح لسع العقارب، كأنى بالضاحك إليك، وهو باك عليك.

وحذّر بعض الحكماء صديقا له صحبه رجل، فقال: احذر فلانا فإنه كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخره، ويعتبر ما أخّرت بما قدّمت، فلا تظهرنّ له المخافة فيرى أن قد تحرّزت؛ واعلم أنّ من يقظة الفطنة إظهار الغفله مع شدة الحذر، فباثثه مباثّة الآمن، وتحفّظ منه تحفظ الخائف؛ فإنّ البحث يظهر الخفىّ الباطن، ويبدى المستكنّ الكامن.

أتى أعرابىّ رجلا لم يكن بينه وبينه حرمة فى حاجة له، فقال: إنى امتطيت إليك الرجاء، وسريت على الأمل، ورافقت الشكر، وتوسّلت بحسن الظن، فحقق الأمل، وأحسن المثوبة، وأكرم الصّفد، وأقم الأود، وعجّل السّراح.

قال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: إذا ثبتت الأصول فى القلوب، نطقت الألسنة لفروع! والله يعلم أنّ قلبى لك شاكر، ولسانى ذاكر، ومحال أن يظهر الودّ المستقيم، من الفؤاد السقيم.

ومدح أعرابى رجلا، فقال: إنه ليغسل من العار وجوها مسودّة، ويفتح من الرأى أبوابا منسدّة.

وقال أعرابى:

كم قد ولدتم من رئيس قسوردامى الأظافر فى الخميس الممطر
سدكت أنامله بقائم مرهف[وبنشر فائدة وجذوة منبر
ما إن يريد إذا الرماح تشاجرتدرعا سوى سربال طيب العنصر
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
يلقى السيوف بوجهه وبنحره]ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القنافعقرت ركن المجد إن لم تعقر
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
وإذا تأمل شخص ضيف مقبلمتسربل سربال محل أغبر
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
أومى إلى الكوماء هذا طارقنحرتنى الأعداء إن لم تنحرى
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «وإذا تأمل شخص ضيف مقبل»

وقال:

قامت تصدّى له عمدا لغفلتهفلم ير الناس وجدا كالذى وجدا
جيداء ربداء لم تعقد قلائدهاوناهد مثل قلب الظّبى ما خضدا
فراح كالحائم الصّديان ليس لهصبر ولا يأمن الأعداء إن وردا

وقال آخر:

ومكتتمات بعد وهن طرقننىبأردية الظلماء ملتحفات
دسسن رسولا ناصحا وتلونهعلى رقبة منهنّ مستترات
فبتّ أعاطيهن صرف صبابةوبتن على اللذات معتكفات
فياوجد قلبى يوم أتبعت ناظرىسليمى وجادت بعدها عبراتى

وقال الأحنف بن قيس: من لم يستوحش من ذلّ المسألة لم يأنف من الرد.

وقال سفيان الثورى لأخ له: هل بلغك شىء مما تكرهه عمن لا تعرف؟

قال: لا، قال: فأقلل ممن تعرف.

أخذه ابن الرومى، فقال:

عدوّك من صديقك مستفادفأقلل ما استطعت من الصحاب
فإنّ الداء أكثر ما تراهيكون من الطعام أو الشراب
للشاعر فرنسيس مراش، اقرأ القصيدة
فدع عنك الكثير فكم كثيريعاف، وكم قليل مستطاب؟
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «عدوك من صديقك مستفاد»
وما اللّجج الملاح مرويّاتويلفى الرّىّ فى النّطف العذاب

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.