من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
نماذج من الشعر الجيد
ومن الشعر الذى يجرى مع النفس قول ابن المعتز يمدح المكتفى؛ إذ قدم من الرقة بعد القبض على القرمطى فقال:
لا ورمّان النهودفوق أغصان القدود
وعناقيد من اصداغ وورد من خدود
وبدور من وجوهطالعات بالسعود
ورسول جاء بالميعاد من بعد الوعيد
ونعيم من وصالفى قفا طول الصدود
ما رأت عينى كظبىزارنى فى يوم عيد
فى قباء فاختىّ اللون من لبس الجديد
كلما قاتل جندىّ بسيف وعمود
قاتل الناس بعينين وخدّين وجيد
قد سقانى الخمر من فيهعلى رغم الحسود
وتعانقنا كأناوهو فى عقد شديد
نقرع الثغر بثغرطيّب عند الورود
[مثل ما عاجل بردقطر مزن بجمود
سحرا من قبل أنترجع أرواح الوفود
ومضى يخطر فى المشى كجبار عنيد]
مرحبا بالملك القادم بالجدّ السعيد
يا مذل البغى يا قاتل حيّات الحقود
عش ودم فى ظلّ عيشخالد باق جديد
فلقد أصبح أعداؤك كالزرع الحصيد
ثم قد صاروا حديثامثل عاد وثمود
جاءهم بحر حديدتحت أجبال بنود
فيه عقبان خيولفوقها أسد جنود
وردوا الحرب فمدواكل خطىّ مديد
وحسام شره الحدّإلى قطع الوريد
ما لهذا الفتح يا خيرإمام من نديد
فاحمد اللهفإن الحمد مفتاح المزيد
وقول على بن الخليل مولى يزيد بن مزيد الشيبانى وكان يرمى بالزندقة، قال الفضل بن الربيع: جلس الرشيد يوما للمظالم، فجعلت أتصفّح الناس، وأسمع كلامهم، فرميت بطرفى، فرأيت فى آخرهم شيخا حسن الهيئة والوجه ما رأيت أحسن منه؛ فوقف حتى تقوّض المجلس ثم قال: يا أمير المؤمنين، رقعتى؛ فأمر
بأخذها، فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى بقراءتها؛ فأنا أحسن تعبيرا لخطّى من غيرى- فقال له: اقرأ، فقال: شيخ ضعيف، ومقام صعب، ولا آمن الاضطراب؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يصل عنايته بأمرى فى الإذن بالجلوس فعل، فقال: اجلس، فجلس وأنشأ يقول:
يا خير من وخدت بأرحلهتجب الركاب بمهمه جلس
تطوى السباسب فى أزمتهاطىّ التّجار عمائم البرس
لما رأتك الشمس طالعةسجدت لوجهك طلعة الشمس
خير البرية أنت كلهمفى يومك الغادى وفى الأمس
وكذاك لن تنفكّ خيرهمتمسى وتصبح فوق ما تمسى
لله ما هرون من ملكعفّ السريرة طاهر النفس
تمّت عليه لربه نعمتزداد جدتها مع اللّبس
من عترة طابت أرومتهاأهل العفاف ومنتهى القدس
متهللين على اسرّتهمولدى الهياج مصاعب شمس
إنى لجأت إليك من فزعقد كان شرّدنى ومن لبس
لما استخرت الله مجتهدايمّمت نحوك رحلة العنس
واخترت حلمك لا أجاوزهحتى أغيّب فى ثرى رمسى
كم قد سريت إليك مدّرعاليلا يموج كحالك النّقس
إن راعنى من هاجس فزعكان التوكّل عنده ترسى
ما ذاك إلّا أننى رجلأصبو إلى نفر من الإنس
بيض أوانس لا قرون لهايقتلن بالتطويل والحبس
وأجاذب الفتيان بينهمصفراء مثل مجاجة الورس
للماء فى حافاتها حببنظم كرقم صحائف الفرس
والله يعلم فى بنيتهما إن أضعت إقامة الخمس
قال: ومن تكون؟ قال: على بن الخليل، الذى يقال إنه زنديق، فقال له: أنت آمن، وأمر له بخمسة آلاف درهم.
وأنشد أبو العباس المبرد لرجل يصف دعوة دعا بها الله ﷿، وقد رأيتها فى شعر محمد بن حازم الباهلى:
وسارية لم تسر فى الأرض تبتغىمحلّا، ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لم تحد الركاب ولم تنخلورد، ولم يقصر لها القيد مانع
تمر وراء الليل والليل ضارببجثمانه فيه سمير وهاجع
إذا وردت لم يردد الله وفدهاعلى أهلها، والله راء وسامع
تفتّح أبواب السموات دونهاإذا قرع الأبواب منهنّ قارع
وإنى لأرجو الله حتى كأننىأرى بجميل الظنّ ما الله صانع
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع