من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
تغير الحال، بكثرة الأموال
وكان لمحمد بن الحسن بن سهل صديق قد نالته عسرة، ثم ولى عملا، فأتاه محمد قاضيا حقّا ومسلما عليه، فرأى منه [نبوة و] تغيّرا، فكتب إليه:
لئن كانت الدنيا أنالتك ثروةوأصبحت ذا يسر، وقد كنت ذا عسر
لقد كشف الإثراء منك خلائقامن اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر
وقال أبو العتاهية فى عمرو بن مسعدة، وكان له خلّا قبل ارتفاع حاله، فلما علت رتبته مع المأمون تغيّر عليه:
غنيت عن العهد القديم غنيتاوضيّعت عهدا كان لى ونسيتا
وقد كنت لى أيام ضعف من القوىأبر وأوفى منك حين قويتا
تجاهلت عما كنت تحسن وصفهومتّ عن الإحسان حين حيبتا
وكتب بديع الزمان إلى أبى نصر بن المرزبان فيما ينخرط فى هذا السلك:
كنت- أطال الله بقاء الشيخ سيدى وأدام عزّه- فى قديم الزمان أتمنّى الخير للاخوان، وأسأل الله تعالى أن يدرّ عليهم أخلاف الرزق، ويمدلهم أكناف العيش، ويؤتيهم أصناف الفضل، ويوطئهم أكناف العز، وينيلهم أعراف المجد، وقصاراى الآن أن أرغب إلى الله تعالى ألّا ينيلهم فوق الكفاية، فشدّ ما يطغون عند النعمة ينالونها، والدرجة يعلونها، وسرع ما ينظرون من عال، ويجمعون من مال، وينسون فى ساعة اللدونة. أوقات الخشونة، وفى أزمان العذوبة أيام الصعوبة، وللكتّاب مزيّة
فى هذا الباب؛ فبينهم فى الغربة أعوان كما انفرج المشط، وفى العطلة إخوان كما انتظم السّمط، حتى إذا لحظهم الجدّ لحظة حمقاء بمنشور عمالة، أوصك جعالة؛ عاد عامر مودتهم خرابا، وانقلب شراب عهدهم سرابا، فما اتّسعت دورهم إلا ضاقت صدورهم، ولا علت قدورهم إلا خبت بدورهم، ولا علت أمورهم إلا أسبلت ستورهم، ولا أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم. ولا هملجت عتاقهم إلا فظعت أخلاقهم، ولا صلحت أحوالهم، إلا فسدت أفعالهم، ولاكثر مالهم، إلا قلّ جمالهم، وعزّ معروفهم، وورمت أنوفهم، حتى إنهم ليصيرون على الإخوان مع الخطوب خطبا، وعلى الأحرار مع الزمان ألبا. قصارى أحدهم من المجد أن ينصب تحته تخته، وأن يوطىء استه دسته، وحسبه من الشرف دار يصهرج أرضها، ويزخرف بعضها، ويزوّق سقوفها، ويعلّق شفوفها، وناهيه من الشرف أن تغدو الحاشية أمامه، وتحمل الغاشية قدّامه، وكفاه من الكرم ألفاظ فقاعية، وثياب قداعية، يلبسها ملوما، ويحشوها لوما، وهذه صفة أفاضلهم. ومنهم من يمنحك الودّ أيام خشكاره حتى إذا أخصب جعل ميزانه وكيله، وأسنانه أكيله، وأنيسه كيسه، وأليفه رغيفه، وأمينه يمينه، ودنانيره سميره، وصندوقه صديقه، ومفتاحه ضجيعه، وخاتمه خادمه، وجمع الدرّة إلى الدرّة، ووضع البدرة على البدرة، فلم تقع القطرة من طرفه، ولا الدرة من كفّه؛ ولا يخرج ماله عن عهدة خاتمه، إلى يوم مأتمه، وهو يجمع لحادث حياته، أو وارث وفاته؛ يسلك فى الغدر كلّ طريق، ويبيع بالدرهم ألف صديق؛ وقد كان الظنّ بصديقنا أبى سعيد- أيده الله تعالى- أنه إذا أخصب آوانا كنفا من ظلّه، وحبانا من فضله، فمن لنا الآن بعدله؟ إنه- أطال الله بقاءه- حين طارت إلى أذنه عقاب المخاطبة بالوزير، وجلس من الديوان فى صدر الإيوان
افتضّ عذره السياسة لدىّ، بتعرض بعض المختلفة إلى، وجعل يعرضه للهلاك، ويتسبب إليه بمال الأتراك، وجعلت أكاتبه مرة وأقصده أخرى، وأذكّره أن الراكب ربما استنزل، والوالى ربما عزل، ثم يجف ريق الخجل على لسان العذر، فتبقى الحزازة فى الصدر، وما يجمعنى والشيخ إن كان زاده قولى إلا علوّا فى تحكمه، [وغلوّا فى تهكمه] وجعل يمشى الجمزى فى ظلمه؛ [ويبرأ إلىّ من علمه]، فأقول- إذا رأيت ذلّة السؤال منى وعزّة الرد منه لى-:
قل لى متى فرزنت سرعة ما أرى يا بيذق
وما أضيع وقتا فيه أضعته، وزمانا بذكره قطعته، هلمّ إلى الشيخ وشرعته، فقد نكأ القلب بقرحه، وكيف أصف حالا لا يقرع الدهر مروة حاله، ولا ينتقض عروة إجلاله؛ فما أولانى بأن أذكره مجملا، وأتركه مفصّلا، والسلام.
وكتب إلى بعض إخوانه فى أمر رجل ولى الأشراف:
فهمت ما ذكرت- أطال الله بقاءك- من أمر فلان أنه ولى الأشراف، فإن يصدق الطير يكن إشرافا على الهلاك، بأيدى الأتراك، فلا تحزنك ولايته فالحبل لا يبرم إلا للفتل، ولا تعجبك خلعته فالثور لا يزين إلا للقتل، ولا يرعك نفاقه فأرخص ما يكون النّفط إذا غلا [وأسفل ما يكون الأرنب إذا علا]، وكأنّى به وقد شنّ عليه جران العود، شنّ المطر الجود، وقيد له مركب الفجار، من مربط النجار، وإنما جرّ له الحبل، ليصفع كما صفع من قبل، وستعود تلك الحالة إحالة، وينقلب ذلك الحبل حبالة، فلا يحسد الذئب على الإلية يعطاها طعمة، ولا يحسب الحبّ ينثر للعصفور نعمة، [وهبه ولّى إمارة البحرين أليس
مرجعه ذلك العقل، ومصيره ذلك الفضل، ومنصبه ذلك الأصل. وعصارته ذلك النسل، وقعيدته تلك الأهل]، وقوله ذلك القول، وفعله ذلك الفعل، فكان ماذا؟ أليس [ما] قد سلب أكثر مما أوتى، وما عدم أوفر مما غنم! مالك تنظر إلى ظاهره، وتعمى عن باطنه؟ أكان يعجبك أن تكون قعيدته فى بيتك، وبغلته من تحتك، أم كان يسرّك أن تكون أخلافه فى إهابك، وبوّابه على بابك، أم كنت تودّ أن تكون وجعاؤه فى إزارك، وغلمانه فى دارك، أم كنت ترضى أن تكون فى مربطك أفراسه، وعليك لباسه، ورأسك راسه؟ جعلت فداك! ما عندك خير مما عنده، فاشكر الله وحده على ما آتاك، واحمده على ما أعطاك، ثم أنشد:
إن الغنىّ هو الراضى بعيشتهلا من يظلّ على الأقدار مكتئبا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع