من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ومن أمثال البخلاء، واحتجاجهم، وحكمهم
أبو الأسود الدؤلى: لا تجاود الله؛ فإنه أجود وأمجد، ولو شاء ان يوسّع على خلقه حتى لا يكون فيهم محتاج فعل. وقال: لو أطعنا المساكين فى إعطائنا إياهم كنا أسوأ حالا منهم.
وقال الكندى: قول «لا» يدفع البلاء، وقول «نعم» يزيل النعم. وقال:
سماع الغناء برسام حادّ؛ لأن المرء يسمع فيطرب، فيسمح فيفتقر، فيغتم فيمرض فيموت. وقال لابنه: يا بنى، كن مع الناس كاللاعب بالقمار، إنما غرضه أخذ متاعهم، وحفظ متاعه.
وقال منع الجميع أرضى للجميع. إذا قبح السؤال حسن المنع.
وقال علىّ بن الجهم: من وهب فى عمله فهو مخدوع، ومن وهب بعد العزل فهو أحمق، ومن وهب من جوائز سلطانه أو ميراث لم يتعب فيه فهو مخذول، ومن وهب من كيسه وما استفاد بحيلته فهو المطبوع على قلبه، المختوم على سمعه وبصره ومن إنشاداتهم:
لا تجد بالعطاء فى غير حقّليس فى منع غير ذى الحقّ بخل
وقال كثيّر:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءهحقيقة تقوى أو صديق ترافقه
منعت، وبعض المنع حزم وقوةولم يفتلتك المال إلا حقائقه
ابن المعتز:
يا ربّ جود جرّ فقر امرىءفقام للناس مقام الذليل
فاشدد عرا مالك واستبقهفالبخل خير من سؤال البخيل
وكتب بعض البخلاء يصف بخيلا: حضرت- أعزّك الله- مائدة فلان للقدر المجلوب، والحين المتاح، والشقاء الغالب، فرأيت أوانى تروق العيون محاسنها، ويونق النفوس ظاهرها وباطنها، وتزهى اللحظات ببدائع غرائبها، وتستوفى الشهوات بلطائف عجائبها، مكلّلة بأحسن من حلى الحسان ووجوهها وزهر الرياض ونورها؛ كأنّ الشمس حلّت بساحتها، والبدر يغرف من جوانبها فمددت يدا عنّتها الشراهة، وغلبها القدر الغالب، وجرّها الطمع الكاذب، وإذا له مع كسر كل رغيف لحظة نكر، ومع كل لقمة نظرة شزر، وفيما بين ذلك حرق قائمة، يصلى بها من حضره من الغلمان والحشم، [وقام بين يديه من الولدان] والخدم، ومع ذلك فترة المغشىّ عليه من الموت؛ فلما وضعت الحرب أوزارها برفع الخوان، وتخلت عنه سمادير الغشيان، بسط لسان جهله، ونصر ما كان من بخله، ونظر إلى مؤاكله، نظر المسترقّ له بأكلته، المالك لخيط رقبته! يظنّ أنه أولى من والديه بنسبته، وأحقّ بماله، من ولده وعياله، يرى ذلك [فضلا، وحقا لازما، وأمرا واجبا] نزل به الكتاب والسنة، واتّفق عليه قضاة الأمة، فإن دفعه رد حكم القضاة عليه، وإن سمح به فغير محمود عليه.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع