من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الكلام الجيد الطبع، والكلام المصنوع
قلت: والكلام الجيد الطبع مقبول فى السمع، قريب المثال، بعيد المنال، أنيق الديباجة، [رقيق الزجاجة]، يدنو من فهم سامعه، كدنوّه من وهم صانعه، والمصنوع مثقّف الكعوب، معتدل الأنبوب، يطّرد ماء البديع على جنباته، ويجول رونق الحسن فى صفحاته، كما يحول السّحر فى الطّرف الكحيل،
والأثر فى السيف الصقيل وحمل الصانع شعره على الإكراه فى التعمل وتنقيح المبانى دون إصلاح المعانى يعفى آثار صنعته، ويطفىء أنوار صيغته، ويخرجه إلى فساد التعسف، وقبح التكلف؛ وإلقاء المطبوع بيده إلى قبول ما يبعثه هاجسه، وتنفثه وساوسه، من غير إعمال النظر، وتدقيق الفكر، يخرجه إلى حدّ المشتهر الرث، وحيّز الغث؛ وأحسن ما أجرى إليه، وأعوّل عليه، التوسط بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين، من الطبع والصنعة.
وقد قال أعرابى للحسن البصرى: علمنى دينا وسيطا، لا ساقطا سقوطا، ولا ذاهبا فروطا، قال الحسن: أحسنت، خير الأمور أوساطها. والبحترى عن هذا القوس ينزع، وإلى هذا النحو يرجع.
قد تم- بعون الله تعالى وتوفيقه- الجزء الثالث من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى، ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الرابع مفتتحا بقول المؤلف «ومن الشعر الذى يجرى مع النفس قول ابن المعتز بمدح المكتفى» نسأله سبحانه أن يوفق إلى إكماله.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع