تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

مثل من بلاغة عمرو بن مسعدة

قال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون، وفى يده كتاب، وهو يعاود قراءته مرة بعد مرة، ويصعّد فيه بصره ويصوّبه؛ فالتفت إلىّ وقد لحظنى فى

أثناء قراءته الكتاب، فقال: أراك مفكّرا فيما تراه منى! فقلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين المخاوف! قال: لا مكروه إن شاء الله، ولكنى قرأت كتابا وجدته نظير ما سمعت الرشيد يقوله عن البلاغة، فإنى سمعته يقول: البلاغة التباعد من الإطالة، والتقرب من البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى، وما كنت أتوهم أن أحدا يقدر على هذه البلاغة حتى قرأت هذا الكتاب من عمرو بن مسعدة إلينا فإذا فيه:

كتابى إلى أمير المؤمنين ومن قبلى من الأجناد والقوّاد فى الطاعة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخّرت أعطياتهم، واختلت أحوالهم! ألا ترى يا أحمد إلى إدماجه [المسألة فى الإخبار]، وإعفائه سلطانه من الإكثار.

ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر.

وفى عمرو بن مسعدة يقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التيمى:

أعنّى على بلوق ناصبخفىّ كوحيك بالحاجب
كأنّ تألّقه فى السماءيدا كاتب أو يدا حاسب
فروّى منازل تذكارهايهيّج من شوقك الغالب
غريب يحنّ لأوطانهويبكى على عصره الذاهب
كفاك أبو الفضل عمرو الندىمطالعة الأمل الكاذب
وصدق الرجاء وحسن الوفاءلعمرو بن مسعدة الكاتب
عريض الفناء طويل البناء فى العزّ والشرف الثاقب
بنى الملك طود له بيتهوأهل الخلافة من غالب
هو المرتجى لصروف الزمانومعتصم الراغب الراهب
جواد بما ملكت كفّهعلى الضيف والجار والصّاحب
بأدم الركاب ووشى الثياب والطّرف والطّفلة الكاعب
نؤمله لجسام الأموروندعوه للجلل الكارب
خصيب الجناب مطير السحاببشيمته لين الجانب
يروّى القنا من نحور العداويغرق فى الجود كاللّاعب
إليك تبدّت بأكوارهاحراجيج فى مهمه لاحب
كأنّ نعاما تمادى بناتزايل من برد حاصب
يردن ندى كفّك المرتجىويقضين من حقك الواجب
ولله ما أنت من جابربسجل لقوم ومن خارب
يساقى العدا بكئوس الردىويسبق مسألة الطالب
وكم راغب نلته بالعطاوكم نلت بالحتف من هارب
وتلك الخلائق أعطيتهاوفضل من المانع الواهب
كسبت الثناء، وكسب الثناء أفضل مكسبة الكاسب
يقينك يجلو ستور الدجىوظنّك يخبر بالغائب

وهذا الشعر يتدفق طبعا وسلاسة.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.