تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

ألفاظ لأهل العصر، فى ضروب الممادح

قد وضعت كثرة التجارب، فى يده مرآة العواقب. قد نجّدته صروف الدهور، وحنّكته مصاير الأمور. قد أرضعته الحنكة بلبانها، وأدّبته الدّربة فى إبانها.

فلان نوازل التجارب حنّكته، وفوادح الأيام عركته. هو عارف بتصاريف [الأيام، آخذ برهان التجارب، نافذ فى مجال التحصيل والتمييز. قد صحب الأيام، وتولّى] النقض والإبرام. هو ابن الدهر حنكة وتجريبا، وعودا على الدهر صليبا.

قد أدّبه الليل والنهار، ودارت على رأسه الأدوار، واختلفت به الأطوار. له همّة علا جناحها إلى عنان النجم. وامتدّ صباحها من شرق إلى غرب، لا يتعاظمه إشراف الأمر إذا أخطره بفكره، وانتساف الصّخر إذا ألقاه فى وهمه، همّته أبعد من مناط الفرقد، وأعلى من منكب الجوزاء. أوسع من الأرض ذات العرض. هو حىّ القلب، منشرح الصّدر، ذكىّ الذهن، شجاع الطبع، ليس بالنؤوم ولا السؤوم، فذّ فرد، وأسدورد، وكأنّ له فى كل جارحة قلبا. كأنّ قلبه عين، وكأن جسمه سمع.

شهاب مقدّم، وقدح مقوّم. [وهو شهم] مشدود النطاق، قائم على ساق، قد جدّ واجتهد، وحشر وحشد، شمّر عن ساق الجد ما أطاق، قد ركب الصعب والذّلول، وتجشّم الحزن والسّهول، وقطع البر والبحر، وأعمل السيف والرمح، وأسرج الدّهم والشهب. هو مولود فى طالع الكمال، وهو جملة الجمال. قد أصبح عين المكارم، وزين المحافل. هو فرد دهره، وشمس عصره، وزبن مصره، وهو علم الفضل، وواسطة عقد الدهر، ونادرة الفلك، ونكتة الدنيا، وغرّة العصر. قد بايعته يد المجد، ومالت به الشورى إلى النصر. فلان يزيد عليهم زيادة الشمس على البدر، والبحر على القطر. هو رائش نبلهم، ونبعة فضلهم، وجمّة وردهم،

وواسطة عقدهم. هو صدرهم وبدرهم، ومن عليه يدور أمرهم، ينيف عليهم إنافة صفحة الشمس على كرة الأرض، كأنهم فلك هو قطبه، وجسد هو قلبه، ومملوك هو ربّه. هو مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم. موضعه من أهل الفضل موضع الواسطة من العقد، وليلة التّمّ من الشهر، بل ليلة القدر إلى مطلع الفجر.

أفضل وأنعم، وأسدى فى الإحسان وألحم، وأسرج فى الإكرام وألجم، قسم من إنعامه ما يسع أمما، وتلقى السعادة أمما، أعطاه عنان الاهتمام، حتى استولى على قصب المرام. ردّ عنه الدهر أحصّ الجناح، وملّكه مقادة النجاح. أولاه من معهود البرّ ومألوفه، وقصّرت الأعداء عن مئاته وألوفه. أولاه إسعافا سمحا وعطاء سحّا، ومننا صفوا وعفوا. أفاض عليه شعاب البرّ ومسايله، وجمع له شعوب الجميل وقبائله، وهطلت عليه سحائب عنايته، ورفرفت حوله أجنحة رعايته. قد فكه بكرمه من قيد السؤال، ومعرّة الاختلال. راشه بعد ما حصّه الفقر، وأرضاه وقد أسخطه الدهر. ملأ العيون، وسهر دوننا لتحقيق الظنون. قد شمت من كرمه أكرم سحاب، وحصلت من إنعامه فى أخصب جناب. قد سد ثلمة حالى، وأدرّ حلوبة آمالى. ما أخلو من طلّ إحسانه ووابله، وغابر إنعامه وقابله. قد استمطرت منه بنوء غزير. وسريت فى ضوء قمر منير. قد كرعت من برّه فى مشارع تغزر ولا تنزر، ورفلت من طوله فى ملابس تطول ولا تقصر. إقامته فى ظلّ ظليل، وفضل جزيل، وريح بليل، ونسيم عليل، وماء روىّ، ومهاد وطىّ، وكنّ كنين، ومكان مكين. أنا آوى إلى ظلّه كما يأوى الطير المذعور إلى الحرم، وأواجه منه وجه المجد وصورة الكرم. أنا من إنعامه بين خير مستفيض، وجاه عريض، ونعم بيض.

قد استظهرت على جور الآيام بعد له، واستترت من دهرى بظلّه. ما أردد فيه طرفى

وأعدّه من خالص ملكى منتسب إلى عطائه، أو مكتسب بجميل آرائه. مسافة بصرى تبعد إن سافرت فى مواهبه، وركائب فكرى تطلح إن أنضيتها فى استقراء صنائعه.

نعمته نعمة عمّت الأمم، وسبقت النعم، وكشفت الهموم ورفعت الهمم، نعمه قد سطع صباحها مستنيرا، وطنب شعاعها مستطيرا، قد عرفتنى نعمه حتى استنفدت شكر لسانى ويدى وأتعبت ظهرى، وملأت صدرى. نعمه عندى مشرقة الجوّ، مغرقة النوء، مونقة الضوء. تتابعت نعمه تتابع القطر على القفر، وترادفت مننه ترادف الغنى إلى ذوى الفقر. نعمه أشرقت بها أرضى، ومطر بها روضى، وورى لها زندى، وعلامعها جدّى، وأتانى الزمان يعتذر من إساءته، وجاءنى الدهر ينتظر أمرى.

نعمه أنعمت البال، وسرّت النفس والحال. نعم تعمّ عموم المطر، وتزيد عليه بإفراد النفع عن الضرر. نعم تضعف الخواطر عن التماسها، وتصغر القرائح عن اقتراحها. له أياد قد عمّت الآفاق، ووسمت الأعناق، وأياد قد حبست عليك الشكر، واستعبدت لك الحر. منن توالت توالى القطر، واتسعت سعة البرّ والبحر، وأثقلت كاهل الحرّ. عندى قلادة منتظمة من مننه قد جعلتها وقفا على نحور الأيام، وجلوتها على أبصار الأنام. أياد يقصر عن حقوقها جهد القول، وتزهر فيها سواطع الإنعام والطّول. أياديه أطواق فى أجياد الأحرار، وأفلاك تدور على ذوى الأخطار. له منن تضعف عن تحملها عواتق الأطواد، ويتضاعف حملها على السّبع الشداد، لو تحمل الثّقلان ثقل هذا الامتنان لأثقل كواهلهم وأضعف عواتقهم. أياد يفرض لها الشكر ويحتم، ومنن يبتدأ بها الذكر ويختم. أياد تثقل الكاهل، ومنن تتعب الأنامل.

منن تضعف منن الشكر، وينشر معها قوى النّشر، منن هى أحسن أثرا من الغيث فى أزاهير الربيع، وأحلى موقعا من الأمن عند الخائف المروع. إن أتعبت نفسى فى

تعداد مننه وحصرها فسأطمع فى إحصاء السحاب وقطرها. أياد لا تحصى أو تحصى محاسن النجوم، ومنن لا تحصر أو تحصر أقطار الغيوم. أياد كعدد الرمل والنمل، أعيت على العدّ، ولم تقف عند حد. زادت أياديه حتى كادت تجهد الأعداد، وتسبق الإعداد. أياديه عندى أغزر من قطر المطر، وعوارفه لدىّ أسرع من رجع البصر. رفعتنى من قعر التراب، إلى سمك السحاب. استنبطه من الحضيض الأوهد، إلى السناء الأمجد، وقد نبّهه عن خمول، وأجرى الماء فى عوده بعد ذبول، ورقّاه إلى ذروة من المجد بعد نزول. فضائل تزل أقدام النجوم لو وطئتها، وتقصر همم الأفلاك لو طلبتها، ثبت قدمه فى المحلّ المنيف، ومكّنه من جوامع التشريف.

جذب بضبعه من المسقط المنحطّ، إلى المرفع المشتطّ.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.