من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
جملة من مكاتبات [بعض] أهل العصر
أبو القاسم محمد بن على الإسكافى عن الأمير نوح بن نصر وعن ابنه عبد الملك لأبى طاهر وشمكير بن زياد يشكره على حميد سيرته:
من حمدناه- أعزّك الله تعالى- من أعيان الملّة الذين بهم افتخارها، وأعوان الدولة الذين بهم استظهارها، بخلّة ينزع فيها من خلال الفضل، وخصلة يكمل بها من خصال العدل. وإنّك- أعزّك الله! - من نحمده بالارتقاء فى درج الفضائل، والاستواء فى كلّ الشواكل؛ فإنه ليس من محمدة إلا وسهمك فيها فائز، [ولا من شدة إلا ومهلك فيها بارز]، وذلك- أعزك الله تعالى! - أمر قد أغنى صدق خبره عن العيان، وكفى بيان أثره تكلّف الامتحان، ولو أعطينا النفوس مناها،
وسوّغناها هواها، لأوردنا عليك فى ذرور كلّ شارق جديد شكر، وجدّدنا لك مع اعتراض كل خاطر جميل ذكر، لكنا للعادة فى ترك الهوى، والثقة بأنك مع صالح آدابك تحلّ الأدنى من الإحماد محلّ الأوفى، فيقضى لك بأنه- وإن عظم قدره- يسير العدد، وعلى ما هو- وإن تناهى لفظه- باقى الفخر مدى الأبد، وكان مما اقتضانا الآن تناولك به أخبار تواترت، وأقوال تظاهرت، بإطباق سكان الحضرة ونيسابور من أهل عملك على شكر ما يتزيّد لهم وفيهم من موادّ عدلك، وحسن فضلك، حتى لقد ظلّوا ولهم فى شكر ذلك محافل تعقد، ومشاهد تشهد، يعجب بها السامع والرائى، ويقترن بها المؤمن والداعى؛ فإن هذا- أعزّك الله- حال يطيب مسمعه، ويلذّ موقعه، حتى لقد ملأ القلوب بهجا، والصدور ثلجا، حتى استفزّها فرط الارتياح، وصدق الانشراح، إلى هذا الكتاب أن أعجلناه، وهذا الشكر أن أجزلناه. بعد ذكر لك اتصل كل الاتصال، وأجمل كل الإجمال، وتضاعف به حظّك من الرأى أضعافا، وأشرف محلك على كل المحال إشرافا، ونحن نهنيك- أعزك الله- على التوفيق الذى قسمه الله لك، والتيسير الذى وكله بك، ونبعثك على استدامتها بصالح النية، وبصادق البغية، لتدنو من العدل على ما ترعى، وتحسن الهدى فيما تتولّى. فرأيك أبقاك الله تعالى فى إحلال ذلك محله من استبشار به تستكمله، واستثمار له تعجّله [إن شاء الله تعالى].
وكتب إليه يعزيه: «إن أحقّ من سلّم لأمر الله تعالى ورضى بقدره، حتى يمحّض مصطنعا، ويخلص مصطبرا، وحتى يكون بحيث أمر الله من الشكر إذا وهب، والرضا إذا سلب، أنت أعزك الله تعالى؛ لمحلّك من الشكر والحجا، وحظك من الصبر والنّهى، ثم لما ترجع إليه من ثبات الجنان عند النازلة،
وقوة الأركان لعزّ الدولة الفاضلة، فإنّ لك فيها وفى سهمك الفائز، ومهلك البارز، عوضا عن كل مرزوء، ودركا لكل مرجوّ، ونسأل الله أن يجعلك من الشاكرين لفضله إذا أبلى، والصابرين لحكمه إذا ابتلى، وأن يجعل لك لا بك التعزية، ويقيك فى نفسك وفى ذويك الرزيّة، بمنه وقدرته.
وله إليه: ترامى إلينا خبر مصابك بفلان؛ فخلص إلينا من الاغتمام به ما يحصل فى مثله ممّن أطاع ووفى، وخدم ووالى، وعلمنا أن لفقدك مثله لوعة، وللمصاب به لذعة؛ فآثرنا كتابنا هذا إليك فى تعزيتك، على يقيننا بأنّ عقلك يغنى عن عظتك، ويهدى إلى الأولى بشيمتك، والأزيد فى رتبتك، فليحسن- أعزك الله- صبرك على ما أخذه منك، وشكرك على ما أبقى لك، وليتمكّن فى نفسك ما وفّر لك من ثواب الصابرين، وأجزل من ذخر المحسنين، وليرد كتابك مما ألهمك الله تعالى من عزاء، وأبلاكه من جميل بلاء، إن شاء الله تعالى وله إليه جواب: وصل كتابك- أعزّك الله تعالى- مفتتحا بالتعزية عن فلان، وبوصف توجّعك للمصيبة، ونحن نحمد الله تعالى الذى ينعم فضلا، ويحكم عدلا، ويهب إحسانا، ويسلب امتحانا، على مجارى قضيّته كيف حرت آخذة ومعطية، ومواقع مشيئته كيف مضت سارّة ومسيئة، حمد عالمين أن لا حكم إلا له، ولا حول إلا به، ومستمسكين بما أمر به عند المساءة من الصبر، والمسرة من الشكر، راجين ما أعده الله من الثواب للصابرين، والمزيد للشاكرين.
وما توفيقنا إلا بالله عليه نتوكل وإليه ننيب، وأما وحشتك- أعزك الله- للحادث على الماضى، عفا الله عنه، فمثلك من ذوى الصفاء والوفاء اختصّ بذلك واهتم له، وعرف مثله فاغتمّ به؛ فإن الطاعة نسب بين أوليائها، والنعمة سبب بين أبنائها،
فلا عجب أن يمسك فى هذا العارض ما يمسّ أولى المشاركة، ويخصّك من الاهتمام ما خص ذوى المشابكة.
وله إليه أيضا فى أمر غزاة: ورد خبرك أكرمك الله تعالى بنفوذك لوجهك فيمن جمعهم الله تعالى للسّعى فى سبيله إلى جملتك؛ فامّلنا أن يكون ذلك موصولا بأعظم الخيرة، مؤدّيا إلى أحسن المغبّة. إلا أنّا أحسسنا من الغزاة الذين بهم تعتضد، وإياهم تستنجد، فتور نيّات، وفساد طويّات؛ وهذا كما علمت باب عظيم يجب الاطلاع بالفكر والرأى عليه، والاحتراس بالجدّ والجهد من الخطل فيه. [فسبيلك أن تتأمّل أمرك بعين استقصاء العورة، واستدراك الآخرة]، فإن أنت وجدت فى عدتك تمام القدرة، وفى عدّتك مقدار الكفاية، ولم تجد نيّات أولئك الغزاة مدخولة، ولا عراهم محلولة، استخرت الله تعالى فى المسير بكلّ ما تقدر عليه من الحزم فى أمرك، ثم إن تكن الأخرى، وكان القوم على ما ذكرت من كلال البصائر، وضعف المرائر، عملت على التلوّم لحديث يحدّثك به كتابنا هذا إن اجتليت ما ذكرته، وإن لم تبلغ بلاغة ما اخترته، فاعتلق بذيله.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع