تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من مقامات بديع الزمان

وهذه المقامة من إنشاء البديع، قال عيسى بن هشام: غزوت الثغر بقزوين سنة خمس وسبعين، فما اجتزنا حزنا، إلّا هبطنا بطنا، حتى وقف بنا المسير على بعض قراها، فمالت الهاجرة بنا إلى ظل أثلاث فى حجرها عين كلسان الشمعة، أصفى من الدمعة، تسيح فى الرّضراض، سيح النّضناض؛ فنلنا من المأكل ما نلنا، ثم ملنا إلى الظل فقلنا؛ فما ملكنا النوم حتى سمعنا صوتا أنكر من صوت الحمار، ورجعا أضغف من رجع الحوار، يشفعهما صوت طبل كأنه خارج

من ما صغى أسد؛ فذاد عن القوم رائد النوم، وفتحت العيون إليه وقد حالت الأشجار دونه، وأصغيت فإذا هو يقول على إيقاع صوت الطّبل:

أدعو إلى الله فهل من مجيبإلى ذرّى رحب وعيش خصيب
وجنّة عالية ما تنىقطوفها دانية ما تغيب
يا قوم إنى رجل ثائبمن بلد الكفر وأمرى عجيب
إن أك آمنت فكم ليلةجحدت فيها وعبدت الصّليب
يا ربّ خنزير تمشّشتهومسكر أحرزت منه النّصيب
ثمّ هدانى الله، وانتاشنىمن زلّة الكفر اجتهاد المصيب
فظلت أخفى الدّين فى أسرتىوأعبد الله بقلب منيب
أسجد للّات حذار العدىولا أجى الكعبة خوف الرقيب
وأسأل الله إذا جنّنىليلى وأضنانى يوم عصيب
ربّ كما أنك أنقذتنىفنجّنى؛ إنى فيهم غريب
ثم اتّخذت الليل لى مركباوما سوى العزم أمامى نجيب
وقدك من سيرى فى ليلةيكاد رأس الطفل فيها يشيب
حتى إذا ما جزت بحر العمىإلى حمى الدين نفضت الوجيب
وقلت إذ لاح شعار الهدىنصر من الله وفتح قريب

ولما بلغ هذا البيت قال: يا قوم؛ وطئت والله بلادكم بقلب لا العشق شاقه، ولا الفقر ساقه، وقد تركت وراء ظهرى حدائق وأعنابا، وكواعب أترابا، وخيلا مسوّمة، وقناطير مقنطرة، وعدّة وعديدا، ومراكب وعبيدا، وخرجت خروج الحيّة من جحره، وبرزت بروز الطائر من وكره، مؤثرا دينى على

دنياى. وجامعا يمناى إلى يسراى، واصلا سيرى بسراى، فلو رفعتم النار بشررها، ورميتم الروم بحجرها، وأعنتمونى على غزوها مساعدة وإسعادا، ومرافدة وإرفادا، ولا شطط، فكلّ قادر على قدرته، وحسب ثروته.

ولا أستكثر البدرة، ولا أردّ التمرة، وأقبل الذّرة، ولكل منى سهمان، سهم أذلّقه للقاء، وسهم أفوّقه بالدّعاء، وأرشق به أبواب السماء، عن قوس الظلماء.

قال عيسى بن هشام: فاستفزنى رائع ألفاظه، وسروت جلباب النوم، وعدوت إلى القوم، وإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، بسيف قد شهره، وزىّ قد نكره؛ فلما رآنى غمزنى بعينه وقال: رحم الله امرأ أحسن حدسه؛ وملك نفسه، وأغنانا بفاضل قوله، وقسم لنا من نيله! ثم أخذ ما أخذ، فقمت إليه فقلت: أنت من أولاد بنات الروم؟ فقال:

أنا حالى مع الزمان كحالى مع النسب
نسبى فى يد الزمان إذا سامه انقلب
أنا أمسى من النبيط وأضحى من العرب

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.