من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من السرقات الشعرية
أما قوله:
تقيم على العتب الذى ليس نافعا
فمن قول المؤمّل:
لا تغضبنّ على قوم تحبّهمفليس منك عليهم ينفع الغضب
يا جائرين علينا فى حكومتهموالجور أقبح ما يؤتى ويرتكب
لسنا إلى غيركم منكم نفرّ إذاجرتم، ولكن إليكم منكم الهرب
وأول من نبّه على هذا المعنى النابغة الذبيانىّ فى قوله للنعمان بن المنذر.
فإنك كالليل الذى هو مدركىوإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن فى حبال متينةتمدّ بها أيد إليك نوازع
سرقه أشجع السّلمى فقال لإدريس بن عبد الله بن الحسين بن على، وقد بعث إليه الرشيد من اغتاله فى المغرب:
أتظنّ يا إدريس أنك مفلتكيد الخلافة أو يقيك حذار
إنّ السيوف إذا انتضاها عزمهطالت، وتقصر دونها الأعمار
هيهات إلّا أن تحلّ ببلدةلا يهتدى فيها إليك نهار
وقال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدى:
إنى أعز بخير الناس كلهموأنت ذاك لما يأتى ويجتنب
وأنت كالدهر مبثوثا حبائلهوالدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفهفى كل ناحية ما فاتك الطّلب
فليس إلا انتظارى منك عارفةفيها من الخوف منجاة ومنقلب
وقول سلم:
ولو ملكت عنان الريح أصرفه
كأنه من قول الفرزدق للحجاج:
ولو حملتنى الريح ثم طلبتنىلكنت كمود أدركته مقادره
وقول على بن جبلة لحميد الطوسى:
وما لامرئ حاولته منك مهربولو رفعته فى السماء المطالع
أخذه البحترى فقال:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرة فكأنهم لم يسلبوا
فلو انّهم ركبوا الكواكب لم يكنليجيرهم من حدّ بأسك مهرب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فى نحو قول النابغة:
وإنى وإن حدّثت نفسى بأننىأفوتك إنّ الرأى منى لعازب
لأنك لى مثل المكان المحيط بىمن الأرض لولا استنهضتنى المذاهب
وأما قول سعيد: وما أنت إلا كالزمان والبيت الذى يليه، فكأنه ألمّ فيه بقول شمعل الثعلبى وإن لم يكن المعنى بنفسه:
أمن جذبة بالرجل منى تباشرتعداتى، ولا عتب علىّ ولا هجر
فإنّ أمير المؤمنين وفعلهلكالدهر، لا عار بما صنع الدهر
وقال رجل من طيئ وكان رجل منهم يقال له زيد من ولد عروة بن زيد الخيل قتل رجلا اسمه زيد فأقاد منه السلطان، فقال الطائى يفتخر على الأسديين:
علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكمبأبيض مشحوذ الغرار يمانى
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنماأقادكم السلطان بعد زمان
وقول الثعلبى مأخوذ من قول النابغة، وهو أوّل من ابتكره:
وعيرتنى بنو ذبيان خشيتهوما علىّ بأن أخشاك من عار
ومن جيد شعر سعيد بن حميد:
أهاب وأستحيى وأرقب وعدهفلا هو يبدانى ولا أنا أسأل
هو الشمس مجراها بعيد وضوءهاقريب، وقلبى بالبعيد موكّل
وهذا المعنى وإن كان كثيرا مشهورا فما يكاد يدانى فى الإحسان فيه.
وقد قال أبو عيينة:
غزتنى جيوش الحبّ من كل جانبإذا حان من جند قفول غزا جند
أقول لأصحابى: هى الشمس، ضوءهاقريب، ولكن فى تناولها بعد
وقال العباس بن الأحنف:
هى الشمس مسكنها فى السماءفعزّ الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعودولن تستطيع إليك النزولا
وقال البحترى:
دنوت تواضعا وعلوت قدرافشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تدانىويدنو الضوء منها والشعاع
وقال ابن الرومى:
وذخرته للدهر أعلم أنهكالدهر فيه لمن يؤول مآل
ورأيته كالشمس إن هى لم تنلفالنّور منها والضياء ينال
وقال المتنبى:
بيضاء تطمع فيما تحت حلّتهاوعزّ ذلك مطلوبا لمن طلبا
كأنها الشمس يعيى كفّ قابضهاشعاعها وتراه العين مقتربا
وقال سعيد بن حميد، ويروى لفضل الشاعرة:
ما كنت أيام كنت راضيةعنّى بذاك الرضا بمغتبط
علما بأنّ الرضا سيتبعهمنك التجنّى وكثرة السّخط
فكلّ ما ساءنى فعن خلقمنك وما سرّنى فعن غلط
وفى هذا المعنى يقول أبو العباس الهاشمى من ولد عبد الصمد بن على، ويعرف بأبى العبر.
أبكى إذا غضبت، حتى إذا رضيتبكيت عند الرضا خوفا من الغضب
فالموت إن غضبت، والموت إن رضيتإن لم يرحنى سلوّ عست فى تعب
وقال العباس بن الأحنف:
إذا رضيت لم يهننى ذلك الرّضالصحة علمى أن سيتبعه عتب
وأبكى إذا ما أذنبت خوف عتبهافأسألها مرضاتها ولها الذّنب
وصالكم هجر، وقربكم قلىوعطفكم صدّ وسلمكم حرب
وأنتم بحمد الله فيكم فظاظةوكلّ ذلول من أموركم صعب
وقال:
قد كنت أبكى وأنت راضيةحذار هذا الصدود والغضب
إن تمّ ذا الهجر يا ظلوم ولاتمّ فمالى فى العيش من أرب
وما أحسن قول القائل:
وما فى الأرض أشقى من محبّوإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا فى كل حينمخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكى إن نأوا حذرا عليهمويبكى إن دنوا خوف الفراق
وتسخن عينه عند التنائىوتسخن عينه عند التلاق
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع