من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار أحمد بن الحجاج
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو من موالي المنصور. حدثني أبو جعفر محمد بن ميمون المصيصي قال: أخبرني دعبل بن على الشاعر قال: لما خرجت من بغداد أريد المطلب بن عبد الله الخزاعي بمصر، فوافينا الأنبار، نزلت في بعض الخانات، فصادفت رجلاً رث الحال، في أطمار خلقان، وهو في زاوية من الخان فقلت له: من أين أنت؟ قال: من أهل بغداد. قلت: فأين تريد، قال: مصر إن شاء الله. قلت: وما تبغي بها؟ قال أريد قرابة لي هناك.
قلت: معك شيء تركبه؟ قال: ما سوى رجلي. قلت فإن المضرب بعيد.
فهل لك أن تلزم رحلنا فأعطيك بغلا من بغال الثقل، تركبه، وتتولى شراء الحوائج في هذا الطريق إلى أن ترد مصر؟ فإني أرجو ألا تذم صحبتنا. قال: ذلك لك أصلحك الله. فدفعت إليه بغلاً فركبه، وكنت معه في الطريق في عافية. لا يبقي غاية فيما يجد إليه السبيل من الاحتياط فيما يشتريه، والاسترحاض وأداء الأمانة، حتى وصلنا مصر. فقلت له يوماً من الأيام: سل حاجتك فقد وجب حقك، فقال لي: أسألك أن توصلني إلى هذا الأمير، فقلت سألت شيئاً سهلا، قال: ما أريد إلا ذاك، قلت: إذا كان في غد فتأهب لذاك حتى تدخل معنا إليه. فلما كان من الغد أخذت بيده بعد أن دخلت الباب، فأقعدته في مكان قد قعد فيه الشعراء الزوار، فجعل المطلب يدعو بواحد واحد، فمن كان زائر ذكر له وسيلة، ومن كان شاعراً أنشده شعره، حتى إذا أتى على القوم كلهم وبقي صاحبي قال له المطلب: أيها الرجل، إن كانت لك حاجة فاذكرها وإلا فانصرف، فنهض والله صاحبنا وأنشأ يقول:
ما زرت مطلباً إلا بمطلبوهمة بلغت بي غاية الرتب
أفردته ببياتي أن يشاركهفي الرسائل أو ألقاه بالكتب
رحلت عنسي إلى البيت الحرام علىما كان من تعب فيها ومن دأب
أرمي بها وبوجهي كل هاجرةتكاد تقدح بين الجلد والعصب
حتى إذا ما انقضى نسكي عطفت لهاثني الزمام فأمت سيد العرب
إني اعتصمت بإستارين مستلماًركنين مطلباً والبيت ذا الحجب
فالبيت للآجل المرجو آجلهوأنت للعاجل المرجو للرغب
يا بعد ما طلبت من غير ما سببيا قرب ما أملت من جود مطلب
هذا رجائي وهذي مصر سانحةوأنت أنت وقد ناديت من كثب
فقال المطلب: لبيك لبيك، من أنت؟ قال: أنا أحمد بن الحجاج مولى المنصور. قال: مرحباً بك وأهلاً، قد أمرت لك بمثل ما أمرت به لجميع الشعراء، فإذا شئت فاقبض ذلك. قال دعبل: فبقيت متحيراً من جودة شعره وقوة نمطه وحسن تأتيه، فلما أن حمل معه المال وخرجنا قلت: ما أحسنت فيما بيني وبينك، أخفيت عني أمرك وأخفيته حتى أحللتك ذلك المحل، وقصرت فيما يجب من حق مثلك: فقال والله لقد أحسنت إلى العشرة والصحبة وكرهت أن أعلمك أمري فيجيء التحاسد. فقلت: سبحان الله ولم أحسدك؟ فقال: دعني يا أبا علي من هذا، فإن القاص لا يحب القاص. فاستفرغت ضحكاً، ثم افترقنا.
وأحمد بن الحجاج هو القائل:
أما الذي حج الحجيج لبيتهعلى العيس تحدي في الفجاج السباسب
لقد منع الجفنان أن يتصافحاووكل إنسان برعي الكواكب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع