من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار أبي العميثل
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدَّثني ابن أبي شبرمة قال: دخل أبو العميثل على طاهر بن الحسين وقد جلس للناس فقبل يده، فقال طاهر: ما أخشن شاربك يا أبا العميثل! فقال: أيها الأمير، إن شوك القنفذ لا يضر ببرثن الأسد. فضحك طاهر وقال: هذه الكلمة أعجب إليّ من قصيدتك. وأعطاه ألف درهم على قصيدته، وثلاثة ألف درهم على كلمته.
وحدثني محمد بن أبي يونس قال: كان أبو العميثل أحد شعراء طاهر، وكان يقدمه ويؤثره، وأنه وجد عليه في شيء فجفاه وتركه، فقال:
سأترك هذا الباب ما دام إذنهعلى ما أرى حتى تلين قليلا
إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلماًوجدت إلى ترك المجيء سبيلا
فرجع إليه طاهر، ولم يزل محسناً ما عاش.
ومما يستحسن من شعر أبي العميثل قوله في الفضل والحسن ابني سهل يذكرهما معاً:
كأن أشكال وجه الحزم بينهماظل تلاقي عليه الشمس والقمر
وله أيضاً:
قد جار والله على جارهوالله قد أوصاه بالجار
حتى متى يا سيدي أنت ليتمزج إقبالا بإدبار
يا من رأى فيمن رأى قبله الدينار في راحة الدينار
وهذه أبيات فيها من خفر الوزن ما ترى.
أخبار أبي عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبي وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة، ويزعم آل المهلب أن أبا عيينة اسم. وقال لي شيخ منهم: كل من كان من المهالبة يدعى أبا عيينة، وكنيته أبو المنهال، وكذلك يقول بنو سدوس: إن أبا رهم هو اسم، وكثير فيهم.
حدثني إبراهيم بن سعيد قال: أخبرني أبو هاشم العبيد قال: أبو عيينة ابن محمد بن أبي عيينة هو الذي كان يهجو ابن عمه خالد بن يزيد بن حاتم المهلبي، وأخوه عبد الله بن محمد هو الذي صاحب طاهر بن الحسين فلم يرض صحبته وهجاه، وأخوه داوود بن محمد هو الذي يقول فيه وفي آل سليمان بن علي:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهمواستوثقوا من رتاج الباب في الدار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهمولا تكف يد عن حرمة الجار
فهؤلاء الثلاثة كلهم بنو محمد شعراء.
وحدثني أبو عبد الرحمن قال: أخبرني محمد بن المظفر قال: دخل أبو عيينة يوماً على المأمون فقال له: يا أبا عيينة. هجوت ابن عمك بألف بيت ما عرضت له بمحرم ولا تجاورته إلا في بيت واجد، وددت إنك ما قلته. قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قولك:
ولأوذينك فوق ما آذيتنيولأوسدن على نعاجك ذيبي
فقال: يا أمير المؤمنين، فإني أدرت بالنعاج بنيه لا غيرهم، فسرى عن المأمون.
وهو القائل في خالد:
بح بما قد كنت تخفيهـ وصرح لا خفاء
ما على هذا عزاءغلب الصبر العزاء
وبدا الأمر المغطىكاشفاً عنه الغطاء
خالد كلفني جرجان ظلماً واعتداء
خطة ما نلت منهاطائلاً إلا العناء
خالد لولا أبوهكان والكلب سواء
لو كما ينقص يزداد إذن نال السماء
وهو القائل:
يا حفص عاط أخاك عاطهكأساً تهيج من نشاطه
صرفاً تعود بشربهاكالظبي أطلق من رباطه
جزع المخنث خالدٌلما وقعت على نماطه
وهي طويلة جداً. وشعر أبي عيينة أنقى من الراحة، ليس فيه عيب، فلا بيت يسقط.
وهو القائل:
داوود محمود وأنت مذممعجباً لذاك وأنتما من عود
فلرب عود قد يشق: لمسجدنصفٌ، وسائره لحش يهود
والحش أنت له، وذاك المسجدكم بين موضع مسلح وسجود
داوود يفتح كل باب مغلقبندي يديه وأنت قفل حديد
وأبو عيينة أحد المطبوعين الأربعة الذين لم ير في الجاهلية والإسلام أطبع منهم: وهم بشار وأبو العتاهية والسيد وأبو عيينة.
وحدثني خلف بن إسحاق الكوفي قال: حدَّثنا بعض أهل العلم: أن رجلاً من أهل البصرة تاق إلى الخروج إلى داوود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبي صفرة زائراً له بالسند هو واليها، فتخير له كتباً من إخوانه وأهل بيته، ثم أتى عبد الله بن محمد أخا أبي عيينة فقال له: جعلت فداك، تكتب إلى ابن عمك داوود بن يزيد، فكتب إليه كتاباً لطيفاً ودفعه إليه، وقال له: إذا أوصلت إليه ما معك من الكتب وقرأها فادفع إليه كتابي. فلما وصل ودفع إليه الكتب وقرأها قال له: أصلحك الله، إن معي من أبي جعفر عبد الله بن محمد كتاباً إليك. قال: هات كتاب أبي جعفر، ولم أخرته؟ قال: بذلك أوصاني. ودفعه إليه ففضه فإذا فيه:
إن امرأ قصدت إليك بهفي البحر بعض مراكب البحر
تجري الرياح به فتحملهوتكف أحباناً فلا تجري
ويرى المنية كلما عصفتريح له للخوف والذعر
للمستحق بأن تزودهكنت الأمان له من الفقر
قال داوود: لا جرم لا تترك حتى ترجع إليه غنياً. فأعطاه ألف دينار وخمسة آلاف درهم.
ولعبد الله يعاتب طاهرا:
يا ذا اليمنين ما شيء إقامتهعلى الإطالة إقصاء وتقصير
وما شهاب منير قد أضر بههم بنارك حتى ما له نور
وله أيضاً:
أيا ذوا اليمنين إن العتاب يشفي صدوراً ويغري صدورا
وكنت أرى أن ترك العتاب خير وأجدر ألا يضيرا
إلى أن ظننت بأن قد ظننت أني لنفسي أرضى الحقيرا
ثم هجاه بعد ذلك:
وما طاهر إلا سفاه تحركتبرائحة الفضل بن يحيى فمرت
فأغنت بريح الفضل كل غنائهابالفضل ساءت حين ساءت وسرت
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع