من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار الحارثي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
واسمه عبد الملك بن عبد الرحيم. حدَّثنا أبو مالك الأنصاري قال: حدَّثني أبو الأسود الشاعر قال: كان الحارثي شاعراً مفلقاً مفوهاً مقتدراً مطبوعاً، وكان لا يشبه بشعره شعر المحدثني الحضريين. وكان نمطه نمط الأعراب. ولما قال قصيدته المعروفة العجيبة انقاد الشعراء وأذعنوا. وهو أحد من نسخ شعره بماء الذهب، والقصيدة التي ذكرناها هي هذه:
هأنذا يا طالبي ساعيمحتضر بزي إلى الداعي
أحمي حمى من غاب من مذحجٍويحمد الشاهد إيقاعي
لا هلع في الحرب هاع إذاريق فيها كل هلواع
قد باضت الحرب على هامتيوصممتني أذني واعي
واستودعتني مقلتي أرقلا يضع الجنب لتهجاع
مستحصد المرة ذي همةضرار أقوام ونفاع
لا توجد الغرة منه وإنهيج به هيج بمنصاع
أشوس ينضو الدرع عن منكبمثل سنان الرمح شعشاع
كما ترى أفطح ذا رقطةتنجاب عنه هبوة القاع
فاجتمعت الشعراء والأدباء على أن هذه الأبيات ليست من نمط عصره، وأن لا أحد يطمع في مثلها، ولعمري إنه لكلام مع فصاحته وقوته يقدر من يسمعه أنه سيأتي بمثله، فإذا رامه وجده أبعد من الثريا، وكذلك الشعر المتناهي الذي ليس قبله في الجودة غاية، وقد سئل بعض العلماء فقيل له ما الشعر عندك؟ قال: السهل الممتنع.
وللحارثي قصيدة يرثي فيها أخاه سعيد بن عبد الرحيم ليست بدون قصيدة متمم التي يرثي أخاه مالكاً، وهي على روي تلك، يقول فيها:
فما أم خشف أودعته قرارهمن الأرض وانساحت لترعى وتهجعا
خليس كلون الأيهقان ابن ليلةأمر قواه أن ينوء فيركعا
ويهتز في الممشي القريب كأنهقضيب من البان التوى فترعرعا
فظلت بمستن الصبا من أمامهتنغم في المرعى إليه ليسمعا
إذا أغفلت نادت وإن ناب نبأةعلى سامعها تذكر طلاها فتربعا
فخالفها عاري النواهق شاسبأخو قفرة أضحى وأمسى مجوعا
فأنهل منه بعد عل ولم يدعلملتمس إلا شريحاً مذعذعا
فجاء برياه نسيم من الصباصباحاً ودر جر ثكلاً فأرجعا
وهذا كلام يعجز الشعراء ويفضحهم، وفيها يقول:
وأبيض وضاح الجبين كأنهسنا قمر أوفى على العشر أربعا
ولولا خروجنا من شرط الكتاب لكان إثبات هذه القصيدة خيراً من تركها، وإن كنا قد كتبنا في بعض المواضع القصائد الطوال، وإنما نشبت منها ما لم يكن موجوداً عند أكثر الناس، وأما الموجود المشهور فلا نورد ما طال منه، وإنما نقتصر من كل قصيدة على هذه الأبيات اليسيرة، بل ربما اقتصرنا على ذكر القصيدة وبيت واحد منها فقط، كما صنعنا في أخبار السيد ونظرائه، وإنما سمينا أمهات قصائد.
ومما يستحسن له أيضاً كلمته في أخيه وهي التي يقول فيها:
إن سليما وإن ظرفاًوإن جريالة شمولا
نعيم دنيا وكل دنيامصيرها عنه أن تزولا
إذا أرت فرحة أخاهامالت إلى ترحة بديلا
وكل خير وكل شرّفيها قمين بأن يحولا
إن سعيداً شقيق نفسيأبقى لنفسي جوىً دخيلا
ومن جيد شعره وإن كان كل شعره جيداً:
أتى دون حلو الوعد من تكتم المطلوأيّ هوىً يبقي إذا لم يكن بذل
فقالت وأبدي الوجد ما دون صدرهافلم يبق باب دون سر ولا قفل
أأشعرت بي أهلي عشية زرتناجهاراً، وما عذري رقد شعر الأهل
فقلت فذا قد كان ما ليس راجعاًفهل عندكم إلا التحفظ. والعذل
فقالت وما أزرى بنا من تحفظعلينا وقولي في عواقبه الذحل
فقلت لها ما زرتكم قاصداً لكموإن كان ما في الناس لي ولكم مثل
وما جئتكم عمداً ولكن ذا الهوىإلى حيث يهوي القلب تهوي به الرجل
والحارثي هو القائل:
ولا يستخص القدر من دون جارهليشبع والجيران يمشون جوعا
أناف بإبقاء على العرض مالهفأنجح إذ أكدى البخيل وأوضعا
له راحةٌ فيها الحبا لصديقهوأخرى لمن عادى بها السم منقعا
أجل عن العور الهواجر سمعهونزهة من أن يقال فيسمعا
إذا نال من أقصى عرا المجد غايةسما طالباً من تلك أسنى وأرفعا
هذا البيت سجدة للشعراء، ولو لم يكن في كتابنا إلا شعراً الحارثي لكان جليلا.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع