من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار أبي محمد اليزيدي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدَّثني أحمد الخليل عن محمد بن هارون بن سليمان قال: اجتمع يوماً من الأيام عند عيسى بن عمر أبو محمد اليزيدي وسلم الخاسر، فقال سلم لليزيدي: اهجني على روى امرئ القيس:
رب رام من بني ثعلمخرج كفيه من ستره
فقال له أبو محمد - وكان عفيفاً تقياً -: مالك ولهذا؟ قال سلم: كذا أريد. قال اليزيدي: ما أغناك عن التعرض للشر. فلتسعك العافية: - وأراد سلم أن يوهم عيسى أنه عييّ مفحم لا يقدر على الشعر - قال سلم:
إنك لتحتجز مني غاية الاحتجاز. وهاجه، قال عيسى: بالله يا أبا محمد إلا فعلت: فأخذ نعله وقبلها وكتب تحتها:
رب مغموم بعافيةغمط النعماء من أشره
وامرئٍ طالت سلامتهفرماه الدهر من غيره
بسهام غير مشويةنقضت منه عرا مرره
وكذاك الدهر منقلببالفتى حالين في عصره
يخلط العسر بميسرةويسار المرء في عسره
عق سلم أمه سفهاًوأبا سلم على كبره
كل يوم خلفه رجلرامح يسعى على أثره
يولج الغرمول سبتهكولوج الضب في جحره
قال سلم: هكذا يكون والله استدعاء الشر، ما كان أغناني عن هذا! فقال له عيسى بن عمر: لا أبعد الله غيرك، ولا أتعس إلا جدك. قد كان الرجل يستعفيك ويحتجز منك إبقاء على مروءته، فأبيت إلا أن يدخلك في حر أمك.
ومما يستحسن له من شعره:
مرضت فأمرضت شكواك قلبيوكنت أنام فاستعصى منامي
ولو كان المريض يزيد حسناًكما تزداد أنت على السقام
لما عيد المريض إذن، وعدتله الشكوى من النعم العظام
وقال وقد انصرف من مكة سالماً:
يا فرحتا إذ صرفنا أوجه الإبلنحو الأحبة بالإزعاج والعجل
نحثهن وما يرمين من دأبلكن للشوق حثاً ليس للإبل
وله في الأصمعي يهجوه:
رأيت قريباً أبا الأصمعيكثيراً فواضحه شامله
إذا قام يعثر في شملهوتقتاده أذن مائله
وما أنت هل أنت إلا امرؤ إذا صح أصلك من باهله
وله في غزله وكان لا يرغب فيه:
حبيبي لا يزور ولا يزاروفيه عن مواصلتي نفار
وعيني لا تجف لها دموعمعاقبة سواكبها غزار
على وجه تطيف به صفاتيفتغرق في المحاسن أو تحار
كأن الخمر يغذو وجنتيهوحسبك ما تزينه العقار
كليل الطرف يجرحه إذا ماتحير فوق وجنته احمرار
قضيب البان قامته، ويخطوبدعص نقاً يغص به الإزار
وحدثني أبو عبد الله التنوردي قال: حدَّثنا محمد بن الأشعث المكي قال: قدم علينا اليزيدي مكة في رجب فأقبل على العبادة والاجتهاد والصوم والصدقة. وكان أصحابنا من أهل الأدب مجتمعون له ليؤانسوه فيقول: ما شيء أحب إلي من مشاهدتكم ومحادثتكم، ولكن هذا بلد يتقرب فيه إلى الله بالأعمال الصالحة، وإنما أقيم شهراً أو شهرين ثم انصرف إلى بلدي، فإن رأيتم ألا تجروا في مجلسي رفثاً ولا خناً ولا هجاءً في شعر ولا غيره فافعلوا.
وقال بمكة أشعاراً كثيرة في الموعظة والحكمة، ولا يتعدى ذلك إلى غيره. وأشعاره كثيرة، وهو مؤدب المأمون.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع