من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب التشكك
وهو من ملح الشعر وطرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما للغو والإغريق.
وفائدته الدالة على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما، ولا يميز أحدهما من الآخر، وذلك نحو قول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدريأقوم آل حصن أم نساء
فإن تكن النساء مخبئآتفحق لكل محصنة هداء
فقد أظهر أنه لم يعلم أنهم رجال أم نساء، وهذا أملح من أن يقول: هم نساء، وأقرب إلى التصديق؛ ولهذه العلة اختاروه كما تقدم القول في بيت ذي الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النقاآ أنت أم أم سالم
وبيت جرير فإنك لو رأيت عبيد تيم وبيت أبي النجم في صفة عرق الخيل. وقال العرجي:
بالله يا ظبيات القاع قلن لناليلاي منكن أم ليلى من البشر
وإنما سلك طريق ذي الرمة.
وقال سلم بن عمرو الخاسر:
تبدت فقلت الشمس عند طلوعهابجلد غني اللون عن أثر الورس
فلما كررت الطرف قلت لصاحبيعلى مرية: ما ها هنا مطلع الشمس
فأنت ترى كيف موقع هذا الشك من اليقين؟ وكيف حلاوته في الصدر وقبوله؟؟ فإنه لو كان يقيناً ما بلغ هذا المبلغ.
وتناول هذا المعنى أبو زيد الوضاح بن محمد الثقفي فقال يمدح المستعين بالله:
وقائلة والليل قد نشر الدجىفغطى بها ما بين سهل وقردد
أرى بارقاً يبدو من الجوسق الذيبه حل ميراث النبي محمد
فظل عذارى الحي ينظمن تحتهظفارية الجزع لم يسرد
أضاءت به الآفاق حتى كأنمارأينا بنصف الليل نور ضحى الغد
فقلت: هو البدر الذي تعرفينهوإلا يكن فالنور من وجه أحمد
وأما قول أبي تمام حين قصد عبد الله بن طاهر إلى خراسان يذكر شك رفقائه واستبعادهم الطريق:
يقول في قومس صحبي وقد أخذتمنا السرى وخطا المهرية القرد:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟فقلت: كلا ولكن مطلع الجود
فقد صرف المعنى فيه عن وجهه، وخالف فيه قصده، ونسب الشك إلى غيره، وهو بعيد من قول سلم، وليس ذكرهما جميعاً مطلع الشمس قدوة، ولا عليه معول.. وقال ابن ميادة:
وأشفق من وشك الفراق وإننيأظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدري: أيغلبني الهوىإذاجد جد البين أم أنا غالبه؟!
فقوله في البيت الأول " أظن " مليح جداً، وكذلك قوله في البيت الثاني
" ما أدري أيغلبني الهوى أم أنا غالبه ".
وأخذ هذا المعنى ابن أبي مية وزاده ملاحة فقال:
فديتك لم تشبع ولم ترو من هجريأيستحسن الهجران أكثر من شهر
أراني سأسلو عنك إن دام ما أرىبلا ثقة، لكن أظن ولا أدري
وقد أحسن أبو الطيب في قوله:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر؟؟بفي برود وهو في كبدي جمر
لولا أنه كدر صفوه ومرر حلوه بما أضاف إليه من قوله:
أذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنةوهذا الذي قبلته البرق أم ثغر؟
ولله در أبي نواس إذ يقول:
ألا لا أرى مثل امترى اليوم في رسمتغص به عيني ويلفظه وهمي
أتت صور الأشياء بيني وبينهفظني كلا ظن وعلمي كلا علم
ويروي وجهلي كلا جهل.
وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس:
لمن طلل دارس آيهأضر به سالف الأحرس
تنكره العين من جانبويعرفه شغف الأنفس
وقال أعرابي في معنى أبيات الوضاح بن محمد:
أقول والنجم قد مالت مياسرهإلى الغروب: تأمل نظرة حار
ألمحة من سنا برق رأى بصريووجه نعم بدا لي أم سنا نار
بل وجه نعم بدا والليل معتكرفلاح من بين حجاب وأستار
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع