تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب الإيغال

وهو ضرب من المبالغة كما قدمت، إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها، والحاتمي وأصحابه يسمونه التبليغ، وهو تفعيل من بلوغ الغاية، وذلك يشهد بصحة ما قلته، ويدل على ما رتبته.

وحكى الحاتمي عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيراً، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيساً، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، قال: قلت: نحو من؟ قال: نحو الأعشى إذ يقول:

كناطح صخرة يوما ليفلقهافلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

فقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال " الوعل " قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه فلا يضيره، قال: قلت: ثم نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله:

قف العيس في أطلال مية واسألرسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «قف العيس في أطلال مية فاسأل»

فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المسلسل " فزاد شيئاً، وقوله:

أظن الذي يجدي عليك سؤالهادموعاً كتبديد الجمان المفصل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «قف العيس في أطلال مية فاسأل»

فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المفلل " فزاد شيئاً أيضاً.

وليس بين الناس اختلاف أن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى بقوله يصف الفرس:

إذا ما جرى شأوين وابتل عطفهتقول هزيز الريح مرت بأثأب
للشاعر الفروسية، من قصيدة «خليلّي مرّ بي على أم جندب»

فبالغ في صفته، وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شأوين ويبتل عطفه

بالعرق، ثم زاد إيغالاً في صفته بذكر الأثأب، وهو شجر للريح في أضعاف أغصانه حفيف عظيم وشدة صوت، ومثل ذلك قوله:

كأن عيون الطير حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

فقوله " لم يثقب " إيغال في التشبيه، وأتبعه زهير فقال:

كأن فتات العهن في كل منزلنزلن به حب الفنا لم يحطم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فأوغل في التشبيه إيغالاً بتشبيهه ما يتناثر من فتات الأرجوان بحب الفنا الذي لم يحطم؛ لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن، فإذا لم يحطم لم يظهر فيه بياض البتة، وكان خالص الحمرة، وتبعهما الأعشى فقال يصف امرأة:

غراء فرعاء مصقول عوارضهاتمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

فأوغل بقوله " الوحل " بعد أن قال " الوجى " وكذلك قوله " الوعل " وكان الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني:

إذا ما علت منا ذؤابة شاربتمشت به مشى المقيد في الوحل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أديرا علي الراح لا تشربا قبلي»

ويقول: قاتله الله! ما كفاه أن جعله مقيداً حتى جعله في وحل، وأنا اقول: إنه بيت الأعشى بعينه.

ومن الإيغال قول الطرماح العقيلي يصف فرساً بسعة المنخر:

لا يكتم الربو إلا ريث يخرجهمن منخر كوجار الثعلب الخرب

فكونه كوجار الثعلب غاية في المبالغة، فكيف إذا كان خرابا؟.

ومن الإيغال الحسن قول الخنساء:

وإن صخراً لتأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

فبالغت في الوصف أشد مبالغة، وأوغلت إيغالاً شديداً بقولها " في رأسه نار " بعد أن جعلته علماً، وهو الجبل العظيم.

وأنشد الجاحظ:

ألوي حيازيمي بهن صبابةكما تتلوى الحية المتشرق

فقوله " الحية المتشرق " إيغال؛ لأنه أشد لتلويه.

وكذلك قول جرير:

بات الفرزدق عائراً وكأنهقعو تعاوره السقاة معار

وإذا كان معاراً كان أشد لاستعماله وأقل للتحفظ عليه.

وقال النجاشي يذكر عبد الرحمن بن حسان:

لما أتاني ما يقول ودونهمسيرة شهر للمطى المفرد

فأوغل بقوله " المفرد " إيغالاً عجيباً؛ لأنه أسير من المحمل.

وقال جميل:

إني لأكتم حبها إذ بعضهمفيمن يحب كناشد الأغفال
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ما هاج شوقك من بلى الأطلال»

" الناشد " طالب الضالة، وإذا كانت غفلاً ليس فيها سمة كان أشد للبحث عليها، وأكثر للسؤال والذكر.

ومن أحسن إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:

هم القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعواأجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «كأن التي يوم الرحيل تعرضت»

فقوله " وأجزلوا " قد أتى به في نهاية الحسن.

وكذلك قول بشار بن برد:

وغيران من دون النساء كأنهأسامة ذو الشبلين حين يجوع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وغيران من دون النساء كأنه»

فقوله " حين يجوع " إيغال حسن.

وقال ابن المعتز:

وداع دعا والليل بيني وبينهفكنت مكان الظن منه وأعجلا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ألا حي من أهل المحبة منزلا»

فقوله " وأعجل " زيادة وصف، وإيغال ظاهر.

وقال أبو الطيب في رثاء أم سيف الدولة:

مشى الأمراء حوليها حفاةكأن المرو من زف الرئال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

" فالزف ": أصغر الريش وألينه، ولا سيما النعام، ولم يرض بذلك حتى جعله زف الرئال، شبه به المرو وهو ما صغر من الحصى وحد فهذا فوق كل مبالغة وإيغال.

ومن هذا نوع يسمى الاستظهار، وهو قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي أو غيره:

فأنتم بنو بنته دونناونحن بنو عمه المسلم
للشاعر حمدون بن الحاج السلمي، اقرأ القصيدة

فقوله " المسلم " استظهار؛ لأن العلوية من بني عم النبي ﵊ أيضاً أعني أبا طالب ومات جاهلياً، فكأن ابن المعتز أشار بحذقه إلى ميراث الخلافة.

وليس بين الإيغال والتتميم كبير فرق؛ إلا أن هذا في القافية لا يعدوها، وذلك في حشو البيت.

واشتقاق الإيغال من الإبعاد، يقال: أوغل في الأرض، إذا أبعد، فيما حكاه ابن دريد، وقال: وكل داخل في شيء دخول مستعجل فقد أوغل فيه وقال الأصمعي في شرح قول ذي الرمة:

كأن أصوات من إيغالهن بناأواخر الميس أصوات الفراريج
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا حاديي بنت فضاض أما لكما»

الإيغال: سرعة الدخول في الشيء، يقال: أوغل في الأمر، إذا دخل فيه بسرعة، فعلى القول الأول كأن الشاعر أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى القول الثاني كأنه أسرع الخول في المبالغة بمبادرته هذه القافية.

وكلما أكثرت من الشواهد في باب فإنما أريد بذلك تأنيس المتعلم وتجسيره على الأشياء الزائعة. ولأريه كيف تصرف الناس في ذلك الفن، وقلبوا تلك المعاني والألفاظ.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.