من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أسود راجل رزقه عشرُون درهما بز فِي كرمه معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْقرشِي، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن نعيم الْبَلْخِي، أَبُو يُونُس، قَالَ: حَدثنِي مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، وَكَانَ لي صديقا، قَالَ: كَانَ الْمَنْصُور قد طلب معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ طلبا شَدِيدا، وَجعل فِيهِ مَالا.
فَحَدثني معن بِالْيمن، أَنه اضْطر لشدَّة الطّلب أَن قَامَ فِي الشَّمْس، حَتَّى لوحت وَجهه، وخفف من عارضيه ولحيته، وَلبس جُبَّة صوف غَلِيظَة، وَركب جملا من جمال النقالة، وَخرج عَلَيْهِ ليمضي إِلَى الْبَادِيَة، وَقد كَانَ أبلى فِي الْحَرْب بَين يَدي ابْن هُبَيْرَة بلَاء حسنا، فغاظ الْمَنْصُور، وجد فِي طلبه.
قَالَ معن: فَلَمَّا خرجت من بَاب حَرْب، تَبِعنِي أسود، مُتَقَلِّدًا سَيْفا، حَتَّى إِذا غبت عَن الحرس، قبض على خطام الْجمل، فأناخه، وَقبض عَليّ.
فَقلت: مَالك؟ فَقَالَ: أَنْت طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقلت: وَمن أَنا حَتَّى يطلبني أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: أَنْت معن بن زَائِدَة.
فَقلت: يَا هَذَا اتَّقِ الله، وَأَيْنَ أَنا من معن بن زَائِدَة.
فَقَالَ: دع عَنْك هَذَا، فَأَنا وَالله أعرف بك مِنْك.
فَقلت لَهُ: فَإِن كَانَت الْقِصَّة كَمَا تَقول، فَهَذَا جَوْهَر حَملته معي بأضعاف مَا بذل الْمَنْصُور لمن جَاءَ بِي، فَخذه، وَلَا تسفك دمي.
فَقَالَ: هاته، فَأَخْرَجته إِلَيْهِ.
فَنظر إِلَيْهِ سَاعَة، وَقَالَ: صدقت فِي قِيمَته، وَلست قابله حَتَّى أَسأَلك عَن شَيْء، فَإِن صدقتني أطلقتك.
فَقلت: قل.
قَالَ: إِن النَّاس قد وصفوك بالجود، فَأَخْبرنِي هَل وهبت قطّ مَالك كُله؟ قلت: لَا.
قَالَ: فنصفه؟ قلت: لَا.
قَالَ: فثلثه؟
قلت: لَا، حَتَّى بلغ الْعشْر.
فَاسْتَحْيَيْت، فَقلت: أَظن أَنِّي قد فعلت ذَلِك.
قَالَ: مَا أَرَاك فعلته، وَأَنا وَالله راجل، ورزقي مَعَ أبي جَعْفَر عشرُون درهما، وَهَذَا الْجَوْهَر قِيمَته آلَاف دَنَانِير، وَقد وهبته لَك، ووهبتك لنَفسك، ولجودك الْمَأْثُور بَين النَّاس، ولتعلم أَن فِي الدُّنْيَا أَجود مِنْك فَلَا تعجبك نَفسك، ولتحقر بعْدهَا كل شَيْء تعمله، وَلَا تتَوَقَّف عَن مكرمَة، ثمَّ رمى العقد فِي حجري، وخلى خطام الْبَعِير، وَانْصَرف.
فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، قد وَالله فضحتني، ولسفك دمي أَهْون عَليّ مِمَّا فعلته، فَخذ مَا دَفعته إِلَيْك، فَإِنِّي عَنهُ غَنِي.
فَضَحِك، وَقَالَ: أردْت أَن تكذبني فِي مقالي هَذَا، وَالله لَا أَخَذته، وَلَا آخذ لمعروف ثمنا أبدا، وَتَرَكَنِي وَمضى.
فوَاللَّه لقد طلبته بعد أَن أمنت، وضمنت لمن جَاءَنِي بِهِ مَا شَاءَ، فَمَا عرفت لَهُ خَبرا، وَكَأن الأَرْض ابتلعته.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع